الشيخ السبحاني
95
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
للشرك ، بل أمره دائر حينئذ بين كونه صحيحا مطابقا للواقع - كما في الملائكة - أو غلطا مخالفا له ، كما في الأنبياء والأولياء ، فإنهم غير واقعين في سلسلة العلل والأسباب بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النّظم . ومعلوم أنه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركا ، إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية ، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والأسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركا . وقد مرّ أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعا من الاستقلال في الفعل وكانوا يتوجهون إليها على هذا الأساس . وقد جاء في السيرة أنه لما أصاب المسلمين مطر في الحديبية لم يبلّ أسفل نعالهم أي ليلا ، فنادى منادي رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) مناديه أن ينادي ألا صلّوا في رحالكم . وقال ( صلّى اللّه عليه وآله ) صبيحة ليلة الحديبية لما صلّى بهم : « أتدرون ما قال ربّكم » . قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : قال اللّه عز وجل : « صبّح بي من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأمّا من قال : مطرنا برحمة اللّه وفضله ، فهو مؤمن باللّه وكافر بالكواكب ، ومن قال : مطرنا بنجم كذا - وفي رواية بنوء كذا وكذا - فهو مؤمن بالكواكب وكافر بي » « 1 » . وأمّا القسم الثاني وهو الاعتقاد بأنّ اللّه سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقاته بعض شؤونه كالتقنين والتشريع والشفاعة والمغفرة ، فلا ريب أنه شرك باللّه ، واتخاذ ندّ له كما يقول سبحانه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ « 2 » والموجود لا يكون ندّا للّه سبحانه ، إلّا إذا كان قائما بفعل أو
--> ( 1 ) السيرة الحلبية ، ج 3 ، ص 29 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 165 .