الشيخ السبحاني
76
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
من الآيات ، فإذا انضم هذا القسم من الآيات إلى القسم الأول الحاصر له باللّه سبحانه يفيد أنّ الحكم الحق للّه سبحانه بالأصالة وأوّلا لا يستقل به أحد غيره ، ويوجد لغيره بإذنه وبالعرض ثانيا ، ولذلك عدّ تعالى نفسه أحكم الحاكمين وخيرهم لأنه لازم الأصالة والاستقلال فقال : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ « 1 » وقال : وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ « 2 » ، وعمّ الحكم التكويني فلا يوجد - على ما أذكر - ما يدل على نسبته إلى غيره ، وإن كان معاني عامة الصفات والأفعال المنسوبة إليه تعالى لا تأبى عن الانتساب إلى غيره انتسابا إذنيا ، كالعلم والقدرة والحياة والخلق والرزق ، والإحياء والمشيئة التي انتسبت إلى غيره سبحانه في آيات كثيرة ، ولعل عدم نسبة الحكم التكويني إلى غيره سبحانه لحرمة جانبه تعالى ، لإشعار هذا الوصف بنوع من الاستقلال الذي لا مسوّغ لنسبته إلى هذه الأسباب المتوسطة . ونظيرها في ذلك ألفاظ البديع والبارئ والفاطر وألفاظ أخرى تجري مجراها في الإشعار بمعاني تنبئ عن نوع من الاختصاص ، وإنما كفّ عن استعمالها في غير مورده تعالى رعاية لحرمة ساحة الربوبية « 3 » . إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ الحاكمية فرع الولاية على المحكوم ، ولا ولاية إلّا للّه سبحانه . فلا حكومة إلّا له . غير أن تجسيد الحكومة في المجتمع ، بمعنى الإمرة عليه ، ليس من شؤونه سبحانه ، بل يقوم به المأذون من جانبه إمّا بالاسم كما مرّ في حق داود ، أو بالوصف والعنوان كما هو الحال في حق العلماء والفقهاء الذين لهم الحكم والإمرة عند غيبة النبي أو الإمام المنصوص عليه بالاسم . وعلى هذا فالحكومات القائمة في المجتمعات يجب أن تكون شرعيتها مستمدة من ولايته سبحانه وحكمه بوجه من الوجوه ، وإذا كانت علاقتها
--> ( 1 ) سورة التين : الآية 8 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 87 . ( 3 ) الميزان ، ج 7 ، ص 116 - 117 . وسيوافيك معنى الحكم التكويني عند البحث عن القضاء والقدر التكويني ، فإن الحكم التكويني هو القضاء التكويني .