الشيخ السبحاني
55
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
مما أطبقت على صحته الإمامية والمعتزلة وأيدته النصوص المروية عن أئمة أهل البيت ( عليهم السّلام ) وقد قال به بعض الأشاعرة أيضا كإمام الحرمين ( أبي المعالي الجويني ) وهو من أعلام القرن الخامس والشيخ ( الشعراني ) وهو من أقطاب الحديث والكلام في القرن العاشر ، والشيخ ( محمد عبده ) مفتي الديار المصرية في القرن الرابع عشر . ومن أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى مصادرها « 1 » . ثم إنّ هنا ضابطة لتمييز الأفعال التي تسند إلى الفاعل القريب عن الأفعال التي تسند إلى القريب والبعيد تفطّن إليها العلامة ( الطباطبائي ) في تفسيره فقال : « إن من الأفعال ما يكشف بمفهومه عن خصوصيات المباشرة كالأكل بمعنى الالتقام ، والبلع والشرب بمعنى المص والتجرع ، والقعود بمعنى الجلوس ، لم ينسب إلا إلى الفاعل المباشر ، فإذا أمر السيد خادمه أن يأكل غذاء كذا ويشرب شرابا كذا ، ويقعد على كرسي كذا ، قيل : « أكل الخادم وشرب وقعد ، ولا يقال أكله سيده وشربه وقعد عليه . وأما الأعمال التي لا تعتبر فيها خصوصيات المباشرة والحركات المادية التي تقوم بالفاعل المباشر للحركة كالقتل والأسر والإحياء والإماتة والإعطاء والإحسان ونظائرها فإنها تنسب إلى الفاعل القريب والبعيد على السوية ، بل
--> ينفذ نوره في الموجودات الإمكانية ، عامة . ولا يوجد ذرة من ذرات الأكوان الوجودية ، إلا ونوره محيط بها ، قاهر عليها وهو قائم على كل نفس بما كسبت وهو مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة . فإذا ، كما أنه ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه كذلك ليس في الوجود فعل إلّا وهو فعله ، لا بمعنى أنّ فعل زيد ليس فعلا له بل بمعنى أنّ فعل زيد مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعله سبحانه كذلك . فهو مع غاية عظمته وعلوه ، ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها ، كما أنّه مع غاية تجرّده وتقدسه لا يخلو منه أرض ولا سماء . فإذا نسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيحه ، كما أنّ نسبتها إلى اللّه تعالى كذلك . وتفصيل ذلك يأتي عند البحث في الجبر والتفويض . ( 1 ) الملل والنحل ، ج 1 ، ص 98 - 99 نقل كلمة إمام الحرمين ، واليواقيت والجواهر للشعراني ، ص 139 - 141 ، ورسالة التوحيد ، ص 59 - 62 . وقد جاء الأستاذ دام ظله بنص كلامهم في كتابه ( أبحاث في الملل والنحل ) .