الشيخ السبحاني
50
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
الموجودات الممكنة المادية تتوقف في وجودها على شروط لا تتحقق بدونها ، كالإنسان الذي هو ابن فلان . فإن لوجود الابن توقفا على وجود الوالدين وعلى شرائط أخرى كثيرة زمانية ومكانية ، فمن الضروري أنّ ما يتوقف عليه وجود الشيء يعدّ جزءا من العلة التامة . وعلى هذا ، لا يصح عدّه سبحانه علة تامة وحدها لهذه الظاهرة أي كون زيد ابن فلان . نعم هو بالنسبة إلى مجموع العالم علة تامة ، إذ لا يتوقف على شيء غيره سبحانه وأمّا سائر أجزاء العالم كوجود زيد فهو سبحانه جزء العلة التامة ضرورة توقفه على ما هو قبله من العلل وما هو معه من الشرائط والمعدّات « 1 » . والذي يوضح ذلك أنّ هناك أفعالا لا يمكن إسنادها إلى اللّه سبحانه مباشرة كأكل زيد وشربه ومشيه وقيامه وقعوده ، فإنّ تحقق هذه العناوين يتوقف على وجود زيد وأعضائه من فمه ولسانه ورجليه وعضلاته فإنّ لها دخالة في تحقق هذه الأفعال ، فكيف يمكن إنكار دخالتها ؟ فهذه الأفعال لا تستند إلا إلى الموجود المادي مباشرة ، وإلى الواجب سبحانه على وجه التسبيب والسببية الطولية « 2 » . فمن وقف على مجموعة كبيرة من الآيات في هذا المجال لم يشك في أنّ القرآن يعترف بناموس السببية بين الأشياء وآثارها وإنهاء كل الكون إلى ذاته تبارك وتعالى . فلا يصح عندئذ حصر الخالقية والعلية الأعم من الأصلية والتبعية باللّه سبحانه ، وتصوير غيره من الأسباب أمورا عاطلة غير مفيدة لشيء . وجعل القدرة الحادثة في العبد شيئا مقترنا بايجاده سبحانه فعل العبد . وعلى ذلك فيجب تفسير حصر الخالقية وتوحيدها على وجه يتناسب مع جميع الآيات الماضية التي تدل على الحصر وأنّه لا خالق غيره ، وفي الوقت نفسه يعترف بتأثير العلل وإيجادها . وهذه هي النظرية التي نتلوها عليك بإذنه سبحانه .
--> ( 1 ) الميزان ، ج 15 ، ص 138 . ( 2 ) سيوافيك معنى أدقّ من السببيّة الطولية لخالقيته سبحانه عند البحث في الجبر والتفويض .