الشيخ السبحاني

39

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

يستعين في تحصيل العلم بعلم منفصل ، وفي الإيجاد بقدرة خارجة عن ذاته . وبالجملة إنّ التحرّز عن تعدد القدماء أولا ، وحاجته سبحانه في مقام الفعل إلى غير ذاته ثانيا ، يجرنا - مع الاعتراف بأنّ له سبحانه أوصافا من علم وقدرة وغيرهما - إلى القول بعينية الصفات والذات . بساطة الذات وتعدد الصفات كيف يجتمعان ؟ لقد قادتنا البراهين السابقة إلى بساطة الذات الإلهية ، وخلوها عن أي نوع من أنواع التركيب العقلي الخارجي وهنا يطرح هذا السؤال نفسه وهو : كيف يجتمع تعدد الأسماء والصفات مع بساطة الذات ؟ أليس يستلزم تعدد الصفات تركّب الذات الإلهية من صفات متعددة ؟ . والجواب عن ذلك بوجهين : الأول : إنّ السؤال إنما يتوجه إذا كان كل واحد من هذه الصفات يشكّل جزءا خاصا ، ويحتل موضعا معينا من ذاته سبحانه وحينئذ يمكن القول بأنه يستلزم التركيب في ذاته سبحانه . ولكن إذا قلنا بأنّ كل واحد من هذه الصفات يشكل تمام الذات برمتها وأسرها ، فحينئذ لا يبقى مجال لتصور التركيب في شأنه تعالى ، إذ لا يمتنع كون الشيء على درجة من الكمال يكون فيها كلّه علما ، وكلّه قدرة ، وكلّه حياة ، دون أن تظهر أية كثرة في ذاته . نعم ، لو كانت هناك كثرة ، فإنّما هي في عالم المفهوم دون الواقع الخارجي ، إذ عندئذ تكون ذاته سبحانه مصداق العلم ومطابقه - وفي الوقت نفسه - مصداق القدرة ومطابقها ، بلا مغايرة ولا تعدد . ولتقريب هذا المعنى نشير إلى مثال في عالم الممكنات وهو أنّ الإنسان الخارجي بتمام وجوده مخلوق للّه سبحانه وفي الوقت نفسه معلوم له سبحانه . فمجموع الوجود الخارجي ، كما هو مصداق لقولنا إنّه مخلوق للّه ومطابق له ، مصداق ومطابق لقولنا إنّه معلوم للّه ، من دون أن يخصّ جزء