الشيخ السبحاني

368

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

وبذلك يسهل عليك فهم ما جاء في الآية التالية من التفريق بين الهداية والضّلالة حيث يقول سبحانه : قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ * قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ، وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ « 1 » فترى أنّه سبحانه يأمر عبده بأن ينسب الضلالة إلى نفسه والهداية إلى ربّه ، مع أنّه سبحانه ينسبهما في آيات أخرى إلى نفسه ويقول : فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » . وما هذا إلّا لأن الهداية والضلالة بما أنهما من الأمور الواقعية في الكون تنتهي وجودا إلى اللّه سبحانه ، فينسبهما من حيث الوجود إلى نفسه سبحانه . وأمّا من حيث المناشئ والحوافز التي تنزلهما إلى العبد ، فبما أنّ الهداية نعمة من اللّه سبحانه لا يستحقها الإنسان بذاته ، بل تعمه كرامة منه تعالى ، فينسبها إلى اللّه تعالى من هذه الجهة ويقول : وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي . وبما أنّ الضلالة نقمة يستحقها الإنسان لتقصيره في اتباع الرسل والاهتداء بالكتب ، صارت أولى بأن تنسب إلى العبد ، ويقول : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي . وبهذا البيان يرتفع ما يتراءى من الاختلاف بين نظائر هذه الآيات . وبكلمة واحدة ، إنّ الآيات من حيث المساق مختلفة ، فعند ما يلاحظ الظاهرة - سواء أكانت حسنة أو سيئة ، هداية أو ضلالة - بما أنّها من الأمور الواقعية الإمكانية ، لا تتحقق إلّا بالانتماء إلى الواجب تعالى والصدور منه ، ينسبها إلى اللّه تعالى . وعندما يلاحظها من حيث المناشئ والدواعي التي تنزلها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، فليس للحسنة والهداية منشأ إلّا اللّه تعالى ، كما أنّه ليس للسيئة والضلالة منشأ ، سوى تقصير العبد في حياته كما عليه الآيات الكثيرة . ولأجل ذلك نرى أنّ الحديث القدسي المنقول عن

--> ( 1 ) سورة سبأ : الآيتان 49 و 50 . ( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 4 .