الشيخ السبحاني

344

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

الثاني . وقد عرفت أنّ معنى الإمكان في الوجود غير الإمكان في الماهية وأنّ معناه في الأول كونه متعلقا بالعلّة وقائما بها بجميع شؤونه وخصوصياته ، والإمكان نافذ فيه وراسخ في واقعه رسوخ الحياة في الموجود الحيّ ، وعند ذلك يكون الفقر الارتباط بالعلّة والقيام بها غير خارج عن واقع الوجود الإمكاني ويكون الفقر والربط نفس ذاته وعين واقعه ، وإلّا فلو كان في حاق الذات غنيا ثم عرض له الفقر يلزم الخلف ، وخروج الموجود الغني عن كونه غنيا ، إلى حيز الفقر والحاجة . وعلى هذا الأصل ، لا يمكن إنكار صلة الوجودات الإمكانية باللّه سبحانه ، من غير فرق بين الإنسان وغيره ، وتبطل نظرية التفويض القائلة بانقطاع الصلة بين المبدأ والموجودات الإمكانية . وهذه الحقيقة صادقة في الفواعل الإلهية والعلل غير الطبيعية ففيها يصدق ما ذكرنا من الوزان والمكانة وأمّا العلل الطبيعية فصدق العلّة عليها من باب المجاز ، كما تقدم . الثالث - وحدة حقيقة الوجود يلازم التأثير في جميع المراتب قد وقع النزاع بين الفلاسفة في أنّ الوجود الواجب والوجود الإمكاني هل هما حقيقتان متباينتان بحيث لا صلة جامعة بينهما أبدا ، وأنّ إطلاق الوجود عليهما من باب إطلاق اللفظ الموضوع لمعنيين متباينين ، كالعين الموضوعة تارة للشمس وأخرى للذهب ، أو أنهما من مقولة واحدة يجمعهما قدر مشترك وهو الوجود وطرد العدم وما يفيد ذلك « 1 » . وأنّ الوجود يطلق عليهما بوضع واحد وبمعنى مفرد ، وإطلاق المعنى الواحد على الشيئين يقتضي وجود قدر مشترك بينهما وإلّا يلزم انتزاع المعنى الواحد بما هو معنى واحد من الأشياء الكثيرة التي لا جهة وحدة بينها .

--> ( 1 ) وهذه العناوين ليست معرفات حقيقية بل هي عناوين مشيرة إلى حقيقة مجهولة فإنّ حقيقة الوجود لا يقدر الإنسان على دركها ، لأنّ أدوات المعرفة لا تتجاوز الذهن والذهنيات ، وهي لا تدرك الحقيقة الخارجية بل المفاهيم العارية عنها كمفهوم النار . وأما حقيقة الوجود فهي نفس العينية الخارجية ، فكيف يمكن أن تكون مدركة للذهن ؟ ! .