الشيخ السبحاني

325

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

حاجة الممكن إلى العلّة تنحصر في حدوثه قالوا : إنّ سرّ حاجة الممكن إلى الواجب والمعلول إلى العلّة هو حدوثه الذي يفسّر بالوجود المسبوق بالعدم وانقلاب العدم إليه . فإذا حدث الممكن ترتفع الحاجة ، لأنّ البقاء شيء والحدوث شيء آخر . إذ الحدوث لا ينطبق إلّا على الوجود الأول القاطع للعدم . وأمّا الوجودات اللاحقة فلا تتصف بالحدوث بل تتصف بالبقاء . فعندئذ يكون الشيء في بقاء ذاته غير محتاج إلى العلّة . فإذا كان هذا حال الذات ، فكيف حال الأفعال ، فلا يحتاج في أعماله إلى العلّة . ولأجل ذلك يفعل العباد أو يتركون بقدرة وإرادة من أنفسهم ، ولا صلة في هذه الحال بين الذات والأفعال ، والواجب الحكيم سبحانه . يقول الشيخ الرئيس حاكيا عقيدة المفوضة : « وقد يقولون : إنّه إذا أوجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتى أنّه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجودا كما يشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء . وحتى أنّ كثيرا منهم لا يتحاشى أن يقول : لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم لأنّ العالم عندهم إنما احتاج إلى الباري تعالى في آن أوجده ( أخرجه من العدم إلى الوجود ) حتى كان بذلك فاعلا ، فإذا جعل وحصل له الوجود من العدم ، فكيف يخرج بعد ذلك الوجود عن العدم حتى يحتاج إلى الفاعل » « 1 » . تحليل هذا الأصل ونقده إنّ هذا الأصل الذي بنى عليه القوم نظريتهم في أفعال العباد ، بل في أفعال وآثار كل الكائنات ، باطل لوجوه نشير إليها : الوجه الأول : إنّ مناط حاجة المعلول إلى العلّة هو الإمكان أي عدم

--> ( 1 ) الإشارات للشيخ الرئيس ، ج 3 ، ص 68 . لاحظ كشف المراد ، الفصل الأول ، المسألة 29 ، والمسألة 44 . والأسفار ، ج 2 ، ص 203 - 204 .