الشيخ السبحاني
304
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وبعبارة ثانية : إذا كان هناك ما يقتضي وجوده ، فإمّا أن يقتضي وجوبه أيضا أو لا ، فعلى الأول فقد وجب وجوده ، وتثبت القاعدة ، وعلى الثاني يعود السؤال بأنه إذا كان تطرق العدم أمرا ممكنا جائزا ، فلما ذا اتصف بالوجود دون العدم مع انفتاح طريق كل منهما ، إذ المفروض أنّ العلّة ما اقتضت وجوبه ولم تسد باب العدم على وجه القطع والبت ، بل كان باب كل مفتوحا على الشيء وإن ترجّح جانب الوجود ، ولكنه لم يمتنع بعد الجانب الآخر ، والأولوية العارضة لجانب الوجود غير كافية إذ المفروض أنّ طريق العدم معها بعد مفتوح ، ومع ذلك اتصف بالوجود ولم يتصف بالعدم . وعندئذ ، ينطرح السؤال التالي : لما ذا تحقق هذا ولم يتحقق ذاك ؟ ولأجل ذلك ذهب الحكماء إلى أنّ وجود الشيء رهن سد باب العدم على وجه القطع والبت واتصافه بالوجود على وجه الوجوب حتى ينقطع السؤال بأنه لم اتصف بهذا دون ذاك . هذا برهان القاعدة ، ورتب عليها القول بالجبر ، لأن فعل العبد لا يصدر منه إلّا بالوجوب ، والوجوب ينافي الاختيار . يلاحظ عليه : إنّ القاعدة قاعدة متقنة لا غبار عليها غير أنّ استنتاج الجبر من القاعدة أمر عجيب ، لأنها لا تعطي أزيد من أنّ المعلول إنما يتحقق بالإيجاب والإلزام ، وأمّا كون الفاعل ، فاعلا موجبا ( بالفتح ) ومجبورا فلا يستفاد منها . توضيح ذلك : إنّ الفاعل لو كان فاعلا طبيعيا غير شاعر ولا مختار ، أو شاعرا غير مختار ، يصدر الفعل منه بالوجوب مع امتناع العدم ويكون الفعل واجبا والفاعل موجبا ( بالفتح ) . وأمّا إذا كان الفاعل مدركا ومختارا ، فصدور الفعل منه يتوقف على اتّصاف فعله بالوجوب ، والعامل الذي يضفي هذا الوصف على المعلول هو نفس الفاعل ، فهو باختياره وحريته يوصل الفعل إلى حد يكون صدوره عنه على نحو الوجوب واللزوم . فعندئذ يكون الفاعل المدرك المختار فاعلا موجبا أي معطيا الوجوب لفعله ومن هو كذلك