الشيخ السبحاني
277
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
قلنا : لا كلام في قوة هذا الكلام ومتانته ، إلّا أنه لما ثبت ( من جانب ) بالبرهان أنّ الخالق هو اللّه تعالى وثبت ( من جانب آخر ) بالضرورة أنّ لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة اليد دون البعض كحركة الارتعاش ، احتجنا في التفصي عن هذا المضيق إلى القول بأنّ اللّه تعالى خالق والعبد كاسب » « 1 » . يلاحظ عليه : إنّه بعد لم يخرج عن هذا المضيق بل قال بأصلين متعارضين ، فإذا ثبت بالبرهان أنّه لا خالق إلّا هو تعالى ، وفسّرت خالقيته العامة بكونه فاعلا مباشرا لكل فعل ، لم يبق لتأثير قدرة العبد مجال . فالقول بالأصلين جمع بين المتعارضين . وبعبارة ثانية ، إنّ الخلق بتمام معنى الكلمة ، إذا كان راجعا إليه ولا تصح نسبته إلى غيره كيف يكون للقوة المحدثة في العبد تأثير ، فلو كان لها تأثير يكون الفعل مخلوقا للعبد أيضا لا للّه وحده . وباختصار ، لو كانت القدرتان في عرض واحد ، فإنه يستلزم اجتماع القدرتين على مقدور واحد . ولو كانت قدرة العبد في طول قدرة اللّه سبحانه ، يلزم كون الفعل مخلوقا للعبد أيضا ، وهم يفرون من نسبة الخلق والإيجاد إلى غير اللّه سبحانه . ومنهم : القاضي الباقلاني فقال : « قد قام الدليل على أنّ القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد ، لكن ليست الأفعال أو وجوهها واعتباراتها تقتصر على جهة الحدوث فقط ، بل هاهنا وجوه أخر هي وراء الحدوث » . ثم ذكر عدّة من الجهات والاعتبارات ، وقال : « إنّ الإنسان يفرّق فرقا ضروريا بين قولنا : « أوجد » ، وقولنا : « صلى » و « صام » و « قعد » و « قام » . وكما لا يجوز أن تضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى العبد فكذلك لا يجوز أن تضاف إلى العبد جهة ما يضاف إلى الباري تعالى ، فإذا جاز لكم إثبات
--> ( 1 ) شرح العقائد النسفية ، ص 115 .