الشيخ السبحاني
271
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
مباشرة ، وليس لقدرة العبد فيها دور . ولأجل إيقاف الباحث على مدى وهن هذه الحجج نأتي ببعضها منهم . الدليل الأول : إنّ المؤمن ليس موجدا لإيمانه كما أنّ الكافر ليس موجدا لكفره ، لأن الكافر يقصد الكفر بما أنه أمر حسن ، ولكنه في الحقيقة قبيح ، كما أنّ المؤمن يقصد الإيمان بما أنه غير متعب وهو ليس كذلك . فينتج أنّه إذا لم يكن المحدث للإيمان والكفر بما لهما من الخصوصيات ، شخص المؤمن والكافر ، يكون المحدث هو اللّه سبحانه « 1 » . يلاحظ عليه : أولا ، بالنقض بأنه لو صحّ هذا الدليل لوجب القول بأنّ شارب الماء الذي يتخيّل أنّه خمر ، لم يشرب ماء ولم يصدر منه عمل ولا فعل لأنّه قصد شرب الخمر وكان الواقع شرب الماء ، فما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع . وثانيا : إنّ ما ذكره خلط بين الصفات الواقعية الحقيقية والصفات الانتزاعية . فالأولى كالحرارة والبرودة تحتاج إلى محدث كما يحتاج موصوفها إليه كذلك . وأمّا الثانية كالصغر والكبر المنتزعين من مقايسة شيء إلى شيء فلا تحتاج إلى صانع وراء محدث ذات الشيء ، لأن هذه الأوصاف من مصنوعات الذهن ومخترعاته ، فالجسم الذي هو بقدر ذراع أكبر من الجسم الذي على نصفه ، والفاعل يوجد ذات الجسمين لا وصفهما وإنما ينتقل الإنسان إليهما عند المقايسة ، وعلى ضوء ذلك فالموجد للإيمان إنما يوجد نفس الإيمان والموجد للكفر يوجد ذات الكفر ، وأمّا كون الأول مؤلما متعبا ، والثاني قبيحا فلا يحتاج إلى فاعل سوى الموجد الذي أوجد ذات الإيمان أو الكفر . فإن الوصفين أعني كون الإيمان متعبا وكون الكفر قبيحا إنما يحصلان عند المقايسة ، فالإيمان بما أنّه يجعل الإنسان مسؤولا أمام اللّه أولا ، وأمام الناس ثانيا ، يستتبع الإتعاب . والكفر بما أنّه على خلاف
--> ( 1 ) اللمع ، ص 71 - 72 . وعبارة اللمع غير خالية عن البسط المملّ والتعقيد المخل ، وما ذكرناه ملخّص مراده .