الشيخ السبحاني

269

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

المقام الأول : في عموم القدرة قد أوضحنا فيما مضى المراد من التّوحيد في الخالقية وقلنا : إنّ المراد من أنّه لا خالق إلّا هو ليس هو نفي التأثير عن العلل الطولية المنتهية إليه ، كيف وقد نصّ القرآن الكريم على تأثير العلل الطبيعية في آثارها كرارا ، فيكون معنى التوحيد في الخالقية : إنّ الخالق الأصيل غير المعتمد على شيء هو اللّه سبحانه وإن قيام غيره بالخلق والإيجاد ، بقدرته ومشيئته ولطفه وعنايته . فالكل مستمد في وجوده وفعله منه ، لا غنى لهم عنه في حال من الحالات ، يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 1 » . ونزيد هنا بيانا فلسفيا على إبطال النظرية التي تتبناها الأشاعرة . الوجود حقيقة واحدة إنّ سلب وصف المؤثريّة والعليّة عن كل شيء حتى على نحو التبعية والظلية ، مضافا إلى أنّه مخالف للحكم الفطري الذي يجده كل إنسان في نفسه حيث يعتقد بأنّ للأشياء وللعقاقير والنباتات آثارا ، ولا معنى لخلقه سبحانه هذا الحكم الخاطئ والباطل في نفوسنا ، أقول - مضافا إلى ذلك - إنّ البرهان الفلسفي يرده بوضوح ، وذلك أنّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة في جميع مراتبها ، من الواجب إلى الممكن ، فالجميع يشترك في حقيقة واحدة نعبر عنها ب « طرد العدم » . ولأجل تلك الوحدة نطلق الوجود على الجميع بمعنى واحد ، ولو كانت حقيقته في الواجب مباينة لحقيقته في الممكن لوجب أن يكون لفظ الوجود مشتركا لفظيا بينهما ، وأن يطلق على الواجب بملاك آخر . فإذا كانت حقيقة الوجود بين عامة المراتب حقيقة واحدة ، فإذا ثبت التأثير لمرتبة عليا منه ، يجب أن يكون ثابتا للمراتب الدنيا أيضا لكن حسب ما يناسب شأنها ، فإنّ حقيقة الوجود - حسب الفرض - موجودة في جميع

--> ( 1 ) سورة فاطر : الآية 15 .