الشيخ السبحاني
26
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
صِدِّيقَةٌ ، كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ « 1 » . وهذه الآية تبطل ألوهية المسيح وأمه ، التي كانت معرضا لهذه الفكرة الباطلة ، بحجة أن شأن المسيح شأن بقية الأنبياء وشأن الأم شأن بقية الناس ، يأكلان الطعام . فليس بين المسيح وأمه ، وبين غيرهما من الأنبياء والرسل وسائر الناس أي فرق وتفاوت ، فالكل كانوا يأكلون عندما يجوعون ويتناولون الطعام كلما أحسوا بالحاجة إليه . وهذا العمل منضما إلى الحاجة إلى الطعام ، آية المخلوقية . ولا يقتصر القرآن على هذا البرهان ، بل يستدل على نفي ألوهية المسيح بطريق آخر ، وهو قدرته سبحانه على إهلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعا ، والقابل للهلاك لا يكون إلها واجب الوجود . يقول سبحانه : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 2 » . وفي هذه الآية وردت ألوهية المسيح وأبطلت من طريق قدرته سبحانه على إهلاكه . ويظهر من سائر الآيات أنّ ألوهيته كانت مطروحة بصورة التثليث ، قال سبحانه : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ « 3 » . وعلى كل تقدير ، فقدرته سبحانه على إهلاك المسيح ( عليه السّلام ) أدل دليل على كونه بشرا ضعيفا ، وعدم كونه إلها ، سواء أطرح بصورة التثليث أم غيره . ثم إنّ القرآن الكريم كما يفنّد مزعمة كون عيسى بن مريم إلها ابنا للّه في الآيات المتقدمة ، يرد استحالة الابن عليه تعالى أيضا على وجه الإطلاق
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 75 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 17 . ( 3 ) سورة المائدة : الآية 73 .