الشيخ السبحاني

256

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

كل إنسان إلى حلّها سواء أقدر عليه أم لا وهي : من أين جاء ؟ ولما ذا جاء ؟ وإلى أين يذهب ؟ . ولأجل هذه الخصيصة في المسألة لا يمكن تحديد زمن تكوّن هذه المسألة في البيئات البشرية ومع ذلك فالمسألة كانت مطروحة في الفلسفة الإغريقية ، إشراقيّها ومشّائيها ، ثم تسربت إلى الأوساط الإسلامية ومنها تسربت إلى المجتمعات الغربيّة ، كغيرها من المسائل والعلوم الإسلامية . الأمر الثاني : في الجبر بأقسامه إن أحد شقوق هذه المسألة هو القول بالجبر ، وأنّ الإنسان مسلوب الاختيار ، ولكن تصويره يختلف حسب نفسيات الباحث والملاكات التي يجعلها محور البحث . فالإلهي القائل بالجبر ، يطرحه على نمط مغاير لما يطرحه المادي والفلسفي القائلين به . فالإلهي لا يصوّر للجبر عاملا سوى ما يرتبط باللّه سبحانه من تقديره وقضائه أو علمه الأزلي أو مشيئته القديمة المتعلقة بأفعال الإنسان « 1 » . والمادي بما أنه غير معتقد بهذه المبادي يسند الجبر إلى العامل المادي وهو « الوراثة » و « التعليم » و « البيئة » ، التي تسمى بمثلث الشخصية ، وأنّ نفسيات كل إنسان وروحياته تتكون في ظل هذه العوامل الثلاثة ، وهي عوامل خارجة عن الاختيار . ومن المعلوم أنّ فعل كل إنسان رد فعل لشخصيته وملكاته التي اختصرت فيها . وللفلاسفة القائلين بالجبر منحى آخر فيه . فتارة يستندون إلى أنّ الإرادة الإنسانية هي العلة التامة للفعل ، بحيث إذا حصلت في ضمير الإنسان يندفع إلى الفعل بلا مهلة وانتظار ، وبما أنّ الإرادة ليست أمرا

--> ( 1 ) هذه ثلاثة من العوامل التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالجبر . وهناك عامل رابع ، وهو القول يكون أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه مباشرة . وعامل خامس وهو ما يبدو من القرآن الكريم من نسبة الهداية والضلالة إلى اللّه سبحانه وهذه هي النقاط الرئيسية لأبحاثهم في المسألة .