الشيخ السبحاني

201

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

للعلل الطبيعية وللإنسان وما فيه من المبادي وزنا وقيمة ، ولم يعترف بتأثيرها في تكوّن الظّواهر والحوادث ، لا مناص له عن القول بالجبر . وهو مصير خاطئ يستلزم بطلان بعث الأنبياء وإنزال الكتب . تمثيل خاطئ ربما يتمسك في تحليل علمه سبحانه بمثال خاص ويقال إنّ باستطاعة كثير من الأساتذة أن يتكهنوا بمستقبل تلامذتهم ، فإنّ المعلم الذي يعرف حدود السعي والعمل والاستعداد في تلميذه المعيّن ، يستطيع أن يتكهن بنجاح التلميذ أو رسوبه بصورة قاطعة ، فهل نستطيع أن نقول : إنّ علم المعلم بوضع التلميذ صار علّة لعدم نجاحه في الامتحان بحيث لو تكهّن المعلم بعكس هذا ، لكان النجاح حليف التلميذ ، أو إنّ السبب في فشله في الامتحان هو تكاسله أيام الدراسة ، وإهماله طول السنة الدراسية مطالعة ومباحثة الكتاب المقرر . وصرفه أوقاته في الشّهوات . إنّ هذا التمثيل نافع للأذهان البسيطة التي لا تفرق بين علم المعلم ، وعلمه سبحانه . وأما العارف بخصوصية علمه تعالى وأنّه نفس ذاته ، وذاته علّة لما سواه ، فهو يرى قياس أحد العلمين بالآخر قياسا خاطئا ، فإن علم المعلم ليس في سلسلة علل الحوادث ، وفي مورد المثال : رسوب التلميذ أو نجاحه . وهذا بخلاف علمه تعالى فإنه في سلسلة العلل ، بل تنتهي إليه جميع الأسباب والمسببات . وقد عرفت أنّ القضاء عند الفلاسفة عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام ، وهو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات ، من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها . فعند ذلك يصبح التمثيل في مقام الإجابة أجنبيا عن الإشكال « 1 » .

--> ( 1 ) وسيأتي الإيماء إلى هذا الجواب عند البحث عن الأصول التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالجبر ، ومنها علمه الأزلي .