الشيخ السبحاني
17
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
ما لا حدّ له يكون واحدا لا يقبل التعدد . فقوله سبحانه ، وهو الواحد القهار ، من قبيل ذكر الشيء مع البينة والبرهان . قال العلامة ( الطباطبائي ) : « القرآن ينفي في تعاليمه الوحدة العددية عن الإله جلّ ذكره ، فإن هذه الوحدة لا تتم إلّا بتميّز هذا الواحد ، من ذلك الواحد ، بالمحدودية التي تقهره . مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّغناه في أوان كثيرة يصير ماء كلّ إناء ماء واحدا غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر ، وإنما صار ماء واحدا يتميّز عما في الآخر لكون ما في الآخر مسلوبا عنه ، غير مجتمع معه ، وكذلك هذا الإنسان إنما صار إنسانا واحدا لأنه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر ، وهذا إن دلّ فإنما يدل على أنّ الوحدة العددية إنما تتحقق بالمقهورية والمسلوبية أي قاهرية الحدود ، فإذا كان سبحانه قاهرا غير مقهور وغالبا لا يغلبه شيء لم تتصور في حقه وحدة عددية ، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه عندما يصف نفسه بالواحدية يتبعها بصفة القاهرية حتى تكون الثانية دليلا على الأولى - قال سبحانه : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ « 1 » ، وقال : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ « 2 » وقال : لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ « 3 » . وباختصار : إنّ كلّا من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع ، أو الوحدة النوعية كالإنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الأنواع الكثيرة ، مقهور بالحد الذي يميز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله ، فإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كل شيء فليس بمحدود في شيء ، فهو موجود لا يشوبه عدم ، وحق لا يعرضه بطلان ، وحي لا يخالطه موت ، وعليم لا يدبّ
--> ( 1 ) سورة يوسف : الآية 39 . ( 2 ) سورة ص : الآية 65 . ( 3 ) سورة الزمر : الآية 4 .