الشيخ السبحاني
134
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
محاوراتهم العرفية ويقال : « فلان ينظر إلى اللّه » ثم إليك . فالنظر وإن كان هنا بمعنى الرؤية لا الانتظار ، ولكنه كناية عن توقع رحمته سبحانه أولا ، وكرم الشخص المأمول ثانيا كما يقال : « يتوقع فضل اللّه سبحانه ثم كرمك » . والآية نظير قول القائل : إني أليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر فمحور البحث والمراد هو توقع الرحمة وحصولها أو عدم توقعها وشمولها ، فالطغاة يظنون شمول العذاب ، والصالحون يظنون عكسه وضده وأما رؤية اللّه سبحانه ووقوع النظر إلى ذاته فخارج عما تهدف إليه الآية . هذا هو مفتاح حل المشكلة المتوهمة في الآية . فتفسير الآية برؤية ذاته غفلة عن القرينة الموجودة فيها . وفي الختام نذكر نكتتين : الأولى - إنّ هنا فرقا واضحا بين قولنا : « عيون يومئذ ناظرة » وقولنا : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ » . فلو كان المراد رؤية ذاته سبحانه لناسب التعبير بالأول ، فالوجوه الناظرة غير العيون الناظرة ، والأول منهما يناسب التوقع والانتظار دون الثاني . الثانية - قال الزمخشري في كشّافه : « وسمعت سرويّة مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ، ويأوون إلى مقائلهم تقول : « عيينتيّ نويظرة إلى اللّه وإليكم » تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها « 1 » . الآية الثانية - قوله سبحانه : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ، فَلَمَّا
--> ( 1 ) الكشاف ج 4 ، ص 662 .