منير سلطان

90

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

في الجملة ، فكان يجب أن يحتج بذلك الجم الغفير ، وان تواطأت الجماعة اليسيرة على ترك المعارضة ، أو إخفائها ، لأن هذا الاحتجاج أسهل من إيراد المعارضة ، وأقوى في بطلان أمره - صلّى اللّه عليه وسلم - لأنه لا فرق بين أن يبينوا أن الذي جاء ، من القرآن معتاد ، بذكر مثله ، فيما تقدم ، أو بإيراد مثله في الوقت » وقال أيضا « وبعد . فإنا لا نجوز على الجمع اليسير ما ظنه السائل ، على كل حال ، لأنه مع التنافس الشديد ، والتقريع العظيم ، وتحرك الطباع ، ودخول الحمية ، والأنفة ، وبطلان الرئاسة والأحوال المعتادة ، والدخول تحت المذلة ، لا يجوز في كثير من الأحوال ، على الواحد أن يسكت ، عن الأمر الذي يزيل به ، عن نفسه الوصمة والعار ، والأنفة ، فكيف على الجماعة القليلة أو الكثيرة « 1 » ؟ ولا يقال أنها كانت ممكنة ولكن القهر والغلبة والخوف منه صلوات اللّه عليه عدل بهم عنها ؟ فهلا عدلوا عن المحاربة لهذه العلة ؟ وعن المهاجاة لمثلها ؟ وعن الوقيعة فيه ونسبته إلى الجنون والسحر ، إلى سائر ما حكى عنه ، فتلك ادعاءات واهية . أما عن الصّرفة ، فلا يرى القاضي فيها وجها من وجوه الإعجاز ، ونقرأ له في التنزيه قوله « ثم بين تعالى عظم شأن القرآن بقوله « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » فنبه بذلك على أن له من الرتبة في الفصاحة ما لا يدركه العباد انفردوا أو اجتمعوا ، ولو كانوا يقدرون عليه ، وانما صرفوا عنه ، لم يكن لهذا القول معنى » « 2 » . وهو أيضا يرفض الرأي القائل بأن المعارضة للقرآن لم تكن لصرف اللّه تعالى إياهم عنه ، لأنه لا يجوز أن يكونوا ممنوعين من الكلام ، لأن المنع والعجز لا يختص كلاما دون كلام ، وأنه لو حصل ذلك في ألسنتهم لما أمكنهم الكلام المعتاد ، والمعلوم من حالهم خلاف ذلك ، وأن هذا الوجه لو صح لم يوجب كون القرآن معجزا ، وكان يجب أن يكون المعجز منعهم من فعل مثله « 3 » ويقول : إن دواعيهم

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 272 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار - تنزيه القرآن عن المطاعن - 232 و 233 . ( 3 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 322 .