منير سلطان

54

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

النظام « ثم قال ( أي ابن الراوندي عن النظام ) وكان يزعم أن نظم القرآن وتأليفه ليسا بحجة للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن الخلق يقدرون على مثله ثم قال ( أي ابن الراوندي ) هذا مع قول اللّه عز وجل « قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله » اعلم - يقول الخياط - علّمك اللّه الخير ، أن القرآن حجة للنبي عليه السلام ، وعلى نبوته عند إبراهيم من غير وجه . فأحدها : ما فيه من الأخبار عن الغيوب ، مثل قوله « وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض » الآية ، ومثل قوله « ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ » وقوله « أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » ثم قال « وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » فما تمناه منهم أحد . ومثل قوله « فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ » الآية . مثل أخباره عما في نفوس قوم ، وبما سيقولونه . هذا وما أشبه في القرآن كثير ، فالقرآن حجة عند إبراهيم ، حجة على نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم من هذه الوجوه وما أشبهها وإياه عنى اللّه بقوله « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ « 1 » . وهذا دفاع ليس فيه إلّا تقرير رأى النظام في أن الأعجاز في الأخبار بالغيب . وقد أغفل مسألة أخرى ، وردت في مختلف كتب الفرق عن النظام ، يذكرها الأشعري في مقالاته قائلا « وقال النظام : والآية والأعجوبة في القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب ، فأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أن اللّه منعهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم » « 2 » . واستعراض بعض آراء النظام تكشف عن زيف نسبة رأى الصّرفة إليه ، بالصورة التي يروجها الأشاعرة عنه . « فالإنسان عنده حي مستطيع بنفسه لا بحياة ، واستطاعته هي غيره ، وتبقى الاستطاعة على الفعل حتى تحدث به آفة » « 3 » وهذا الإنسان « لا يقدر على ما لا يخطر بباله » « 4 » أي أن قدرة الانسان مقيدة بمدى علمه ومدى ما يخطر بباله ، فالقدرة تابعة للعلم بل الإرادة نفسها

--> ( 1 ) الخياط - الانتصار - 41 . ( 2 ) الأشعري - مقالات الإسلاميين - 1 / 271 . ( 3 ) نفس المصدر - 1 / 229 . ( 4 ) نفس المصدر - 1 / 239 .