منير سلطان

48

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

بأفهام كليلة ، وأبصار عليلة ، ونظر مدخول ، فحرّفوا الكلم عن مواضعه ، وعدّلوه عن سبيله ، ثم قضوا عليه بالتناقض ، والاستحالة ، واللّحن ، وفساد النظم والاختلاف ، وأوّلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف والغمر والحدث والغرّ واعترضت بالشّبه في القلوب وقدحت بالشكوك في الصدور « 1 » . وصار نظم القرآن ومعانيه أمام هجوم عنيف ، فقام علماء الإسلام من متكلمين ولغويين ومفسرين ينافحون عنه ، وعن حجّة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان على المدافعين عن القرآن ونظمه أن يبيّنوا خصائص الأسلوب العربي الذي يجرى على نمطه البيان القرآني « 2 » . ومع تطور الثقافة وفتح النوافذ على الفكر الأجنبي تشعبت الدراسات البلاغية بين شعبة تحافظ على القوالب العربية الخالصة التي لا يشوبها أي مقياس أجنبي ، وشعبة اطلعت على الفكر اليوناني وأرادت أن تقيس البلاغة بمقياس اليونان . ومضوا ينقلون بعض مختصرات لآراء أرسطو في الخطابة والشعر ، على نحو ما فعل الكندي ومتّى بن يونس وإسحاق بن حنين . وبدأت الخصومة بين هذين المنزعين فألّف ابن المعتز كتابه « البديع » مدافعا عن البلاغة العربية هجمات المتفلسفة ، مؤكدا أن كثيرا من فنون البديع موجود من قديم في القرآن والحديث وكلام الجاهلين والاسلاميين « 3 » ولم يسكت المتفلسفة

--> ( 1 ) ابن قتيبة - تأويل مشكل القرآن - ص 22 تحقيق السيد أحمد صقر ط دار أحياء الكتب العربية - الأولى القاهرة - 1954 م . ( 2 ) يدخل في هذا النطاق كتاب الفراء ( ت 207 ) « معاني القرآن » عنى فيه بشرح آي القرآن الكريم شرحا بسط فيه الكلام في التراكيب وتأويل العبارات وتحدث فيه عن التقديم والتأخير والإيجاز والأطناب والمعاني التي تخرج إليها بعض الأدوات كأداة الاستفهام وغيرها ، وأبو عبيدة معمر بن المثنى ( ت 208 ه ) له كتاب ( مجاز القرآن ) وقد اختار الآيات التي تصور طرقا مختلفة في الصياغة والدلالة متمثلا بما يشبهها من أشعار العرب وأساليبهم وشارحا لما تتضمنه من لفظ غريب ، وقد ذكر ابن المعتز للأصمعى ( ت 213 ) كتابا في التجنيس ص 25 ط دمشق تحقيق كراتشقوفسكى وتأثّرهم إلى حدّ كبير ابن قتيبة ( ت 276 ) في « تأويل مشكل القرآن » والمبرد ( ت 285 ) في « الكامل » . ( 3 ) ابن المعتز - البديع - ص 1 .