منير سلطان

46

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

يأتوا بمثله إن كانوا صادقين « 1 » والكلام كلامهم وهو سيد عملهم ، قد فاض بيانهم وجاشت به صدورهم « 2 » . ولقد رأى عرب قريش رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء « 3 » وكان أبو بكر لا يملك دموعه إذا قرأ القرآن « 4 » وكذا عمر بن الخطاب ، ويقرأ عبد الله بن عمر « وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ » وعندما يأتي إلى قوله تعالى « يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » يبكى حتى ينقطع عن قراءة ما بعدها « 5 » . هاجم . العرب الرسول ، وهاجموا مبعثه ورسالته ، إذ أحسوا في عمق أن للقرآن أثرا في نفوس الناس ، فخافوا أن يستجيب قومهم فمنعوهم أن يقتربوا من الرسول حين يصلى أو حين يقرأ بصوت عال « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ » [ فصلت - 26 ] . ومن الجدير بالذكر أن تأثير القرآن لم يكن مقصورا على العرب فحسب ، بل أثّر في قلوب النصارى وخشعت له قلوبهم ، وهم على ما هم عليه من الرسول ومبعثه ، وقد وصفهم اللّه سبحانه بذلك في قوله « وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى ، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ ، رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ » [ المائدة - 82 و 83 ] وقد ظهرت أسماء هنا وهناك تحاول تقليد الرسول في النبوة وافتعلت محاولات سقيمة لقرآن معارض ملبّية نداء التحدي ، ولكن بلا جدوى « 6 » .

--> ( 1 ) الطور آية 34 « فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ » هود آية 13 « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ » وفي البقرة آية 23 « إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ » وكذا ورد هذا المعنى في سورة يونس آية 38 . ( 2 ) الجاحظ - رسائل الجاحظ 3 / 105 على هامش الكامل للمبرد ط التقدم العلمية 1323 ه - مصر . ( 3 ) القرطبي - التذكار - ص 111 ط المعارف العلمية 1354 ه . ( 4 ) نفس المصدر - 140 . ( 5 ) نفس المصدر والصفحة ، وانظر في 140 - 145 إلى أثر القرآن في نفوس الصحابة . ( 6 ) الطبري - جامع البيان عن تفسير آي القرآن 1 / 10 تحقيق محمود وأحمد شاكر ط دار المعارف .