منير سلطان
32
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
فهؤلاء الذين طعنوا في القرآن ، ذلك النص السماوي ، وجدوا من المعتزلة من يثبت إعجاز القرآن ، ويعدّد طرقه ، وهؤلاء الذين طعنوا في نبوة الرسول ، وجدوا أيضا من المعتزلة من يدحّض آرائهم ويفندها . وسبق أن رأينا المهدىّ يشجع المعتزلة في الرد على الرافضة والملحدين ، ويقول الدكتور نيبرج « وإذا شئت البرهان على ذلك . فانظر إلى مجالس أبى الهذيل مع هشام ابن الحكم ، ومجادلات النظّام مع رافضة عصره ، والمناظرات بين السكاك الرافضي وبين الإسكافى وجعفر بن حرب ، وإلى ما عمله الجاحظ حين سلّ صارمه عليهم ، ولم تقتصر المعتزلة على الرافضة ، بل دعاهم الحال وما وجدوا الرافضة عليه من الصّلة بالثّنوية إلى أن يحولوا الحرب إلى مخالفيهم ويحاصروا قلعتهم ويحملوا على مخازنهم . فتهجموا على الثّنويّة والدّيصانيّة والدّهريّة وغيرهم ممن استمد الرافضة منهم ولم يسبقهم في الإسلام أحد إلى الرد بمثل هذا المقدار » « 1 » . وهكذا تسير المعتزلة في طريقها قدما إلى الأمام ، يعقدون المناظرات ويؤلفون الكتب ويطاردون أعداء الإسلام يساعدهم في ذلك صلتهم بالخليفة القائم وقوة شخصيتهم وأيمانهم بقضيتهم « 2 » . وسار بهم الركب حتى عصر « المأمون » ، وكان محبّا لهم شغوفا بآرائهم معجبا بكفاحهم ، وفي عهده ، أرادوا أن يبلغوا المدى وأن يجعلوها دولة اعتزالية ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقول بقدم اللّه وبأن ما عداه محدث ، وأنه لا يرى يوم القيامة ، فكل شئ مخلوق إلا اللّه تعالى ، حتى القرآن الكريم ، فمن آمن بقدم القرآن فقد جعل للّه قديما معه ، ومن ثم فهو كافر وعلى الخليفة أن يردّه إلى حظيرة الإسلام ، وإلا ، فهو مرتد . مشكلة خلق القرآن : نظر المعتزلة إلى القرآن نظرتهم إلى الكلام الذي يتألف من حروف وأصوات ، أي أنهم قاسوه على الكلام بمعناه المتداول ، فهم يريدون به فعل المتكلم الذي يعبّر به عن المعاني التي تدور بنفسه لكي يعلمها المخاطب ، وإذا كان القرآن يتألف
--> ( 1 ) الدكتور نيبرج - مقدمة الانتصا - 57 . ( 2 ) الخياط - الانتصار - 4 .