منير سلطان

30

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

بين الفريقين دارت حول مسألة الوحدة والتّعدّد ، وانتقال الجوهر الإلهي وتحيّزه وقبوله للأعراض « 1 » . ولم يكن بالميدان يهودي ونصراني فقط ، بل كان هناك أصحاب المانوية والمزدكية والزرادشتية ، الذين فتح الإسلام بلادهم فدخلوا فيه طوعا أو كرها ، ثم حين هدأت موجة الفتوح واستقرت الحال ، ثاب هؤلاء إلى رشدهم وأخذ بعضهم يجادل في الدين بمنطق دينه القديم . وإذا وقف هؤلاء جميعا في دائرة خارج الإسلام ، فقد وجد من المسلمين أنفسهم من شوّه صورته وغلا فيه غلوا فاحشا ، ومنهم فريق من الشيعة ، وفريق من أهل الحديث . فقال غلاة الشيعة والرافضة منهم بأسرها : بأن للّه تعالى قدّا وصورة وأنّه جسم وذو أعضاء ، ووضع كثير من أهل الحديث والرواة والقصّاص أحاديث وروايات ، فيها من تشبيه اللّه بخلقه ووصفه بصفات البشر ما لا يليق بالعظمة الإلهية « 2 » . كانت هذه أخطارا واجهت الاسلام وطعنته في الصميم ، وهي عادة ما تبدأ في شكل متفرق ثم تتجمع وتقوى وتصير تيارا جارفا يقلع السدود ويغرق الوديان . ولم يسكت علماء المسلمين ولا المعتزلة ووقفوا بالمرصاد وفي عنف لهذه المحاولات الخبيئة . وأمام تثليث المسيحية وتجسيم الحشويّة أعلن المعتزلة مبدأ « التوحيد » الخالص للّه تعالى ، فاللّه تعالى واحد « ليس كمثله شئ » « لا تدركه الأبصار » ولا تحيط به الأقطار ، وأنه لا يحول ولا يزول ولا يتغيّر ولا ينتقل وأنه « الأول والآخر والظاهر والباطن » وأنه « في السماء إله وفي الأرض إله » وأنه « أقرب إلينا من حبل الوريد » « وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا

--> ( 1 ) نفس المرجع - 56 و 68 . ( 2 ) انظر في التشبيه ما ورد في كتب الملل والنحل - د . نيبرج - مقدمة الانتصار للخياط ص 3 وما بعدها . والدكتور النشار - نشأة الفكر الفلسفي - 630 وما بعدها ، والدكتور محمد يوسف موسى - القرآن والفلسفة - 61 . ودائرة المعارف الإسلامية مادة « تشبيه » ومحمد زاهد الكوثري - مقدمة تبين كذب المفترى - ص 30 .