منير سلطان
28
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ثم جاء عصر المأمون - فارتفع شأن المعتزلة ، فالمأمون قد تتلمذ على بعض كبرائهم كيحيى بن المبارك - وكان لثمامة بن أشرس مكانة عظيمة لديه « 1 » فتشرّب آراءهم وشب على مبادئهم ، ويقال أنّ ثمامة هو الذي دعاه إلى الاعتزال « 2 » وكان المأمون متعطشا إلى العلم والفلسفة مشغوفا بالآداب محبا للجدل . ووجد في المعتزلة بغيته ، ومن ثمّ طغى المعتزلة وظهر جبروتهم ، وفي عهده حدثت محنة خلق القرآن ، وعلى يد القاضي المعتزلي أحمد بن أبي دؤاد الإيادى « 3 » . وفي عهد المعتصم استمرت المحنة ، واستمر هو في تقريب المعتزلة عملا بوصية أخيه وأصبح لأبى دؤاد الكلمة العليا والسلطة النافذة في الدّولة « 4 » ولما قضى المعتصم وخلفه الواثق ، كان الواثق شديد الاعتزال فقام بالمحنة أشدّ قيام « 5 » ، وكأن عصور ازدهار المعتزلة قد انقضت أو كادت - حين مات الواثق وجاء المتوكل - فلم يجدوا فيه مأمونا ولا معتصما ولا واثقا ، بل كان سنّيا شافعيّا « 6 » . هذا هو جانب المعتزلة المتصل بالسياسة ، وأعتقد أنه أهم الجوانب المؤثّرة في حياتهم ، إذ حين ترضى عنهم الخلافة تزدهر حياتهم ، وحين ينأى عنهم الخليفة تخفت قضاياهم . وهناك جانب عقيدتهم ويحسن أن نعرضها أولا ثم نستعرض تطورها على ضوء الأحداث الفكرية الإسلامية . وعقيدتهم يجملها « الخياط » ، أحد زعماء الاعتزال في القرن الثالث الهجري بقوله « وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة :
--> ( 1 ) ابن قيم الجوزية - الصواعق المرسلة - 1 / 131 . ( 2 ) البغدادي - الفرق بين الفرق - 103 . ( 3 ) انظر في أخبار المحنة - الطبري - تاريخ الأمم - 10 / 384 إلى 292 ، واليعقوبي 2 / 571 ، البيهقي - مناقب أحمد 315 و 401 ، والذهبي - دول الإسلام 1 / 102 ط حيدرآباد 1364 ه الثانية . ( 4 ) ابن خلكان - وفيات الأعيان - 1 / 32 ط القاهرة 148 م تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد . ( 5 ) ابن العماد الحنبلي - شذرات الذهب - 2 / 75 و 26 القاهرة 1350 ه . ( 6 ) ابن الأثير - الكامل - 7 / 8 ط الأزهرية . القاهرة 1301 .