منير سلطان
24
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
جزء من الأيمان ، وليس الأيمان الاعتقاد وحده ، فمن اعتقد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ثم لم يعمل بفرض الدين وارتكب الكبائر كان كافرا . ويترتب على ذلك أنّ الأمويين في نظر الخوارج كافرون ولا حقّ لهم في الخلافة ، وعلى الخوارج محاربتهم حتى يدخلوا مذهبهم . وقاتل الخوارج الأمويين . وعلى الطرف الآخر من الخوارج وقف المرجئة الذين جعلوا الأيمان مجرد الاعتقاد القلبي وليست التكاليف من صلاة وصيام ونحوها جزءا من الإيمان ، ولا يخرج الإنسان عن إيمانه ارتكاب الكبائر ، وهؤلاء طبقوا نظريتهم هذه على كل ما حدث من الخلافات السياسية والدينية بين المسلمين ، فليس عثمان وأنصاره ولا الخارجون عليه ، بكافرين ، ولا علىّ وأتباعه وعائشة وأتباعها يوم الجمل ، بخارجين عن الاسلام ، ولا من انضم تحت لواء علىّ يوم صفّين بكافرين ، بل المسألة فوق ذلك قلبية بحتة . ومن ثمّ بنى أمية مؤمنون مهما ارتكبوا . ولم تر طائفة من المفكرين رأى الخوارج في المؤمن ، ولا رأى المرجئة فيه ، ورأت أن مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا فاسقا ، لأنه قد شهد الشهادة وعمل أعمال الخير عدا هذه الكبيرة ، فهو في منزلة بين المنزلتين . بهذا قال واصل - رأس طائفة المعتزلة الجدد ، الذين هم - استمرار في ميدان الفكر والنظر - للمعتزلة السياسيين أو العمليين « 1 » . وفي العصر الأموي ، تتعقد الحياة الفكرية لكثرة جداول النقاش ، بالإضافة إلى السياسة التي اتخذها الأمويون نحو المسلمين ، فقد كانوا لا يهتمون إلا بأن يستقر الأمن وتستكين النفوس إلى الحكم القائم . وأوهم الحكام جماهيرهم ، بأن الأمويين لا حيلة لهم في شئ ، إنما هو قدر من اللّه وجبر ، فعليهم الطاعة والاستسلام - ورأى جماعة من خلّص التّابعين ، أن الأمر ليس لهم ، وأن الدنيا تغيرت ، وأن شرع اللّه لا يأبه به حاكم ولا محكوم ، فآثروا العزلة وعلى رأسهم
--> ( 1 ) كارل نيلينو - « بحوث في المعتزلة » . ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية ص 191 ط النهضة المصرية سنة 1940 م القاهرة - ترجمة عبد الرحمن بدوي . وانظر مقدمة دكتور نيبرج لكتاب « الانتصار » للخياط وذلك في ص 51 ط دار الكتب 1925 م .