منير سلطان
237
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
إلى ادراك الصور الفنية ، ولم يسبروا أغواره ليخرجوا عجائبه ، ويذوقوا الأدب والبلاغة ذوقا أدبيا ، يملأ النفس روعة والحسى جلالا ويتدرج من القدرة البشرية إلى الإعجاز الإلهي . وحين استعرضنا جهودهم في الميدان الفنى للاعجاز ، لمسنا أثر تعمق المتكلمين في دراستهم ، ومدى سداد منهجهم الذي أدى إلى إضافات في فنون البلاغة ، أضيفت إلى جهود الذين سبقوهم من الرواة والشعراء والنقاد ، وما كان غيرهم بمستطيع ذلك . لولا المتكلمون . ونريد أن تشير هنا إلى فضلهم على البلاغة العربية عامة وعلى قضية الإعجاز بخاصة ، في جانبها الفنى . ونلخص ذلك في : أولا : المجاز اللغوي . ثانيا : التأثير النفسي . ثالثا : دراسة الجمال والذوق الأدبي . أولا : المجاز اللغوي : وقد لجأ المعتزلة لهذا الباب حتى يتسع أمامهم القول ، وحتى يفلتوا من تلك القيود التي ألزمهم بها المجسّمة وغيرهم من الطوائف ، وبخاصة حين عالجوا التشبيه في القرآن الكريم ، ولقد هاجموا اللغويين والمفسرين البسطاء الذين يلتزمون ظاهر اللفظ ، وراحوا ينزّهون الذات الإلهية عن كل ما ينالها من حسّيّة ، وجنحوا إلى الصور الذهنية والخيالات المتضمنة ليبرزوا معانيها البعيدة في نفوس الناس . وكان عدتهم في ذلك المجاز اللغوي . وقد قال الجاحظ « فللعرب أمثال واشتقاقات وأبنية وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم ، ولتلك الألفاظ مواضع آخر ، ولها حينئذ دلالات أخرى ، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل ، فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من العلم وليس هو من أهل هذا الشأن ، هلك وأهلك » « 1 » . وهذا المرتضى في « أماليه » يقول « وكلام العرب وحى وإشارات واستعارات
--> ( 1 ) الجاحظ - الحيوان - 1 / 70 ط السعادة .