منير سلطان
231
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما وإذن فلا بد أن تكون الفصاحة راجعة إليهما بحيث يكون اللفظ جزلا والمعنى حسنا » « 1 » . وهو بذلك يرد على الجاحظ رأيه في النظم . والرماني كان على نفس الدرب حين رأى أن إعجاز القرآن لبلاغته التي فسرها بأنها ليست مجرد أفهام المعنى لأنه « قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيىّ ، وليست البلاغة تحقيق اللفظ على المعنى لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف ، إنما البلاغة : إيصال المعنى إلى القلب في حسن صورة من اللفظ » « 2 » . وقد لاحظ القاضي عبد الجبار - تلميذ الجبائي - أن في فكرة شيخه نقصا لأنه لم يلاحظ صورة تركيب الكلام ، وهي أساسية في بلاغة العبارة وفصاحتها « 3 » . إذن قد تجنبت المدرسة الاعتزالية فكرة النظم - متمثلة في الجبائي والرماني وعبد الجبار - سببا لإعجاز القرآن وجنحت إلى فكرة الفصاحة . بينما تعود الأشعرية إلى فكرة النظم ، التي هي تغاير ما ذهب إليه الجاحظ ، وتنحل في جوهرها إلى فكرة الفصاحة التي قالت بها المدرسة البهشمية الاعتزالية . فهذا الباقلاني يرى أن القرآن « بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه » « 4 » . وهو هنا يرى رأى الرماني الذي أراد أن يصور إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البلاغة التي أحصاها في رسالته . وفي الدلائل لعبد القاهر نراه ، يبدئ ويعيد في إبطال أن يكون مردّ الفصاحة إلى اللفظ أو المعنى - كما زعم الجبائي المعتزلي - وأن لم يصرّح باسمه - إنما مردّها إلى النظم أو بعبارة أخرى ، إلى الأسلوب وخصائصه وكيفياته . وقد عقد
--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 197 . ( 2 ) الرماني - النكت في إعجاز القرآن - 69 . ( 3 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 199 . ( 4 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 30 .