منير سلطان

229

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

من ايماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه والمشار نحوه ، والقديم لا جارحة له فيصح الإيماء والإشارة منه » « 1 » . فالقول باصطلاح اللغة يخدم رأى المعتزلة في التوحيد من ناحية ، والعدل أو حرية الإرادة من ناحية أخرى ، ويخدم أيضا ناحية الاتساع اللغوي ، يقول ابن جنى « اللغات على اختلافها حجة » « 2 » . ولكن ، أدى الأمر بالمعتزلة إلى الشطط أحيانا ، وإلى اختراق الحواجز أحيانا أخرى فتقدم العقل ، والتوسع في التأويل ، مع الاعتقاد بأن اللغة اصطلاح وأن أكثرها مجاز لا حقيقة « 3 » ، فقد أوردهم المضايق في بعض أحوالهم ، والذي يطالع متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار أو تفسير الكشاف للزمخشري ، يضع يده وبسهولة على مواطن نزق العقل وجفاف أحكامه وعدم مطاوعته - أحيانا - لأحكام العقل نفسه بل أحكام الذوق والكياسة في الحديث عن الرسول وعن غيره من شخصيات لها قدرها . أما الأشاعرة ، فقد احترموا العقل أيضا ، ولكنهم - في ضوء مبادئهم - لم ينساقوا معه إلى نهاية الطريق ، فهذا الجرجاني يهاجم المجازات الاعتزالية في التأويل ويسمى المعتزلة ( محبّى الإغراب في التأويل ) ويصف محاولتهم هذه « بالإفراط » « 4 » وابن قيم الجوزية ، يعلق على توفيق المعتزلة بين قوانين العقل وحقائق النص بأن « فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي ، والهوى على العقل » « 5 » . والحق أن قضية الإعجاز قد استفادت ، من مبدأ التوسع المجازى عند المعتزلة وبخاصة في المجال البلاغي ، وهذه جهود الجاحظ والقاضي عبد الجبار والزمخشري تشهد بذلك . وقد أفرد الزمخشري ، كتاب « أساس البلاغة » للتحقيق العملي بأن معظم اللغة مجاز ، فالكتاب خادم لقضية الاعجاز من وجهها الاعتزالى ،

--> ( 1 ) نفس المصدر - 1 / 9 . ( 2 ) نفس المصدر - 1 / 153 . ( 3 ) السيوطي - المزهر - 1 / 207 - 210 . ( 4 ) الجرجاني - الأسرار - 314 . ( 5 ) ابن قيم الجوزية - إعلام الموقعين - 1 / 78 ط الشيخ فرج اللّه الكردي مطبعة النيل بمصر .