منير سلطان
221
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وقيمة مبحث الأخبار عن الغيوب ، أنه نبع لا ينفد ، يظل يلهم الإنسان المكلف بأن يتدبر القرآن وأن يزيل الغشاء عن البصيرة ، وأن يتأمل ما ذا حدث في الأزمان الغابرة وما ذا يحدث له وأمامه ، ثم هو يجد الإشارات والدلالات في قرب أو بعد موجودة في القرآن . والإنسان هو مركز دائرة الغيب ، ما بعد عن إدراكه فهو غيب له ، وما بعد عن إدراك آبائه ، فهو غيب لهم دونه أن كان قد اكتشف سره . إذن فشئون الكون بعظائمه ودقائقه ، كلها غيب بالنسبة للانسان ، وشؤون النفس البشرية وخلجاتها ونزعاتها كلها غيب له أيضا . ومن ثمّ ، أخبرنا القرآن عن قوم عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ، وما كنا نعلم من شأنهم أمرا ، فكان هذا غيبا مضى . معجزا من القرآن وأخبرنا عن أحداث لم يتوقعها العرب آنذاك ثم حدثت بعد ذكرها في القرآن بوقف قليل ، كقوله تعالى ( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ ) [ الفتح - 16 ] « 1 » وغيرها . فكان غيبا في المستقبل القريب وهو معجز . ومنه ما كان غيبا في المستقبل البعيد ، مثل حكاية القرآن عن اليهود أنهم أن كانوا صادقين بكونهم أولياء اللّه فليتمنوا الموت ثم قال ( وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) [ الجمعة - 7 ] فما تمناه منهم أحد . وقد تكلم النّظّام بخاصة عن الغيب الماضي والغيب المستقبل ( القريب والبعيد ) ثم أشار إلى الغيب الكامن في النفس البشرية ، وأن القرآن أخبر عما في نفوس قوم وبما سيقولونه وهذا وما أشبه في القرآن كثير « 2 » . وعلى مدى العصور والأجيال تنكشف للناس غيوب عديدة في أنفسهم وفي عالمهم وفي واقعهم ، ويقرءون القرآن فيجدون إشارات ودلائل فيدركون بعمق مدى قصورهم أمام ملكوت اللّه سبحانه وتعالى ، ومدى صحة قوله عز اسمه ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) [ الأنعام - 38 ] ومدى إعجاز القرآن لما فيه من أسرار
--> ( 1 ) المخلفون من الأعراب : هم الذين حلفوا عن « الحديبية » وهم أعراب غفار ، ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم ، والدّيل ، والقوم الذين دعوا إليهم فيما بعد ليحاربوهم ، حتى يسلموا هم بنو حنيفة قوم مسيلمة . وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) الخياط - الانتصار - 41 .