منير سلطان

21

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وحديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، أيضا ، كان سببا من أسباب نشوء علم الكلام فعثمان بن عفان سمح للصحابة بالخروج إلى الأمصار ، فانتشرت حلقاتهم في المساجد يروون عن النبي ، ثم تصدى التابعون للرواية ، وحينما ظهرت الأحزاب بعد مقتل عثمان حاول كل حزب أن يدعم ما يدعو اليه بآي من القرآن الكريم ، وبحديث للرسول صلّى اللّه عليه وسلم . وظهر أصحاب التفسير العقلي الذين ضاقوا بمنهج السلف ، وشعروا أن علماء الحديث - بالرغم من حيطتهم - قد قبلوا أحاديث يعترض عليها العقل ووجدوا أن السلف قد تمسكوا بالظاهر ولم يتقدموا خطوة نحو التفسير العقلي لما يروونه من أحاديث « 1 » . فأبدع الحديث الشريف لونا من الجدل الداخلي بين علماء الحديث وبين المفكرين الذين عارضوهم في المنهج . وهذا الجدل العقلي الذي ارتبط بالحديث ، ارتبط أيضا بالقرآن ، من جانب التشريع الديني . وأقصد به الاجتهاد فيه بالرأي . فقد اجتهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » واجتهد الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم من الصحابة « 3 » ونما هذا الاجتهاد وزكا فأنتج في جنباته نوعا من التفكير الفلسفي أثرى علم الكلام . فعلم الكلام له صلة وطيدة بالقرآن الكريم ، فمن طبيعته « 4 » ودفاعا عنه نشأ ، وله صلة بالسّنّة النبوية ، فمن ارتباطها بالسياسة ومن محاولة العلماء تنقيتها ، ثار الجدل ، وكذا أعداء الإسلام ، حين راموا تقويضه وهبّ العلماء يدافعون عنه ،

--> ( 1 ) الدكتور على سامى النشار - نشأة الفكر الفلسفي - 351 و 352 ط دار المعارف - الرابعة - 1966 م . ( 2 ) ابن قتيبة - تأويل مختلف الحديث - 246 - الطبعة الأولى ط كردستان القاهرة 1326 ه . ( 3 ) ابن قيم الجوزية - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية 18 و 19 ط الآداب والمؤيد القاهرة 1317 ه وانظر - له - إعلام الموقعين 1 / 253 ط الشيخ فرج اللّه زكى الكردي بمطبعة النيل بمصر . ( 4 ) يقول الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه ( القرآن والفلسفة ) ص 48 « على أن القرآن وأن كان يتمثل فيه التحديد أحيانا كثيرة أو قليلة فيما يجب فيه التحديد فإنه من جانب آخر ، يجب أن نلاحظ أن القرآن نفسه ترك التحديد أحيانا أخرى عمدا ، وهذا كما لاحظ بحق ماسنيون ، مما يدفع العقل للتفكير الفلسفي - فيما هو مجال الفلسفة لفهم ما يريد القرآن تماما « دار المعارف 1966 م القاهرة .