منير سلطان
195
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
النفي تعم ، من ذلك قوله « إن الريب في آية ( لا رَيْبَ فِيهِ ) * [ البقرة - 2 ] نفى على سبيل الاستغراق ، إذ عمّ النفي جميع أفراد الريب « 1 » . ووقف عبد القاهر عند حذف المسند مع القرينة في مثل آية الأنعام ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ) [ الأنعام - 100 ] فقد قدر أن الجملة انتهت عند شركاء ، وأن كلمة الجن كأنها إجابة لسائل سأل : ما ذا جعلوا شركاء اللّه ؟ « 2 » وجوز الزمخشري أن تكون كلمة ( الجن ) مرفوعة ، كأنه قيل : من هم ؟ فقيل الجن « 3 » . ووقف عبد القاهر أيضا عند آية البقرة ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ) [ البقرة - 96 ] ولاحظ أن التنكير في كلمة ( حياة ) للدلالة على الازدياد منها لا على أصلها « 4 » ويقول الزمخشري : نكّر كلمة حياة لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبىّ على ( الحياة ) « 5 » . ويطيل عبد القاهر النظر في أساليب الأسناد الخبرى وتأكيدها بإنّ ، فهو يأتي مجردا منها لخالي الذهن ، والشاك والمتردد ، ومقترنا بها لمن عقد قلبه على النفي وقد يضاف إليها تأكيد ثان للمنكر مبالغة في الجزم بالخبر « 6 » . ويقول الزمخشري تعليقا على آيات يس ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ، إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما ، فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ، فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ، قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ، قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) [ يس من 13 - 16 ] فان قلت : لم قيل ( إنا إليكم مرسلون ) أوّلا و ( إنا إليكم لمرسلون ) آخرا ؟ قلت : لأن الأول ابتداء إخبار والثاني جواب عن إنكار « 7 » أي أن التعبير الأول لم يأت لخالي الذهن ، وإنما جاء
--> ( 1 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 86 ط 2 بولاق . ( 2 ) الجرجاني - الدلائل - 189 . ( 3 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 464 ط 2 بولاق . ( 4 ) الجرجاني - الدلائل - 190 . ( 5 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 225 ط 2 بولاق . ( 6 ) الجرجاني - الدلائل - 180 . ( 7 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 467 ط 2 بولاق .