منير سلطان

189

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه ، وترتيبه ، ومكانة إضماده « 1 » ، ورصافة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجز بعض ، كأنما أفرغ إفراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق « 2 » ويقول في الآي ( وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) [ القصص - 9 ] . . . ما أحسن نظم هذا الكلام عند المرتاض بعلم محاسن النظم « 3 » وفي الآية ( لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ) [ الفرقان - 21 ] يقول : هذه الجملة في حسن استئنافها غاية « 4 » ويقول في الآية ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ، أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ) [ الرعد - 33 ] . . وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق دلق ، أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وانصف من نفسه « 5 » . الزمخشري والجرجاني : مرت بنا جهود الزمخشري في إعجاز القرآن ، وما قدمه في تفسير القرآن من يد بيضاء . وقد أخذ الزمخشري عن السّالفين وبخاصة الجرجاني ، بل أنه طبّق نظرية الجرجاني في النظم ، على ما وردت عليه في الدلائل ، ولكن كانت للزمخشري إضافات جليلة . ولم يضف البلاغيون بعده كثيرا إلى ما أضافه ، بل أنهم لم يستوفوا إضافاته « 6 » . لقد طبق على القرآن كله ، ما جاء متفرقا في « دلائل الإعجاز » ، كي التقى بالباقلانى ، وكذا الرماني . وهذا الالتقاء له مغزاه . فالجهود التي نبتت في بيئة المعتزلة ومنهم وتلقفها الأشاعرة ، عادت إليهم وقد نضجت ، وعلى أيديهم أثمرت وكان نتاجها الكشاف للزمخشري . وإذا استفاد « الكشاف » من « الدلائل » ، فقد استفاد « الدلائل » من

--> ( 1 ) الإضماد ، من أضمد القوم أي جمعهم وضمهم ، وهنا بمعنى النظم والسبك . ( 2 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 153 . ( 3 ) نفس المصدر - 2 / 156 . ( 4 ) نفس المصدر - 2 / 107 . ( 5 ) نفس المصدر - 1 / 497 . ( 6 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 255 .