منير سلطان

174

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

شئ من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعاني وعلم البيان ، وتمهل في ارتيادها آونة ، وتعب في التنقير عنهما أزمنة ، وبعثته على تتبع مظانها همّة في معرفة لطائف حجة اللّه ، وحرص على استيضاح معجزة رسول اللّه ، بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ ، جامعا بين أمرين : تحقيق وحفظ ، كثير المطالعات طويل المراجعات ، قد رجع زمانا ورجع إليه وردّ وردّ عليه ، فارسا في علم الإعراب ، مقدّما في جملة الكتاب ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها ، مشتعل القريحة وقّادها » « 1 » . إذن فليس التفسير هو معرفة معاني القرآن الكريم فحسب ، بل هو أيضا بيان لأسرار إعجازه « 2 » . وبنظرة عامة ، نرى أن الزمخشري قد لاحظ ، ما للتعبير باسم الإشارة من جمال وذلك في الآية الكريمة « قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ » [ يوسف - 32 ] يقول : ولم تقل فهذا ، وهو حاضر ، رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحبّ ويفتتن به وربأ بحاله واستبعادا لمحله « 3 » ويقول أيضا في الآية « ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ » [ العنكبوت - 64 ] هذه : فيها ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها « 4 » وفي استعمال اسم الموصول مزايا في النظم القرآني « 5 » والجملة الاسمية فيها جمال يسفر عنه الزمخشري في الآية « وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً » [ لقمان - 33 ] فإن قلت : قوله ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، وأراد عن طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه ؟ قلت : الأمر كذلك لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية ، وقد انضم إلى ذلك قوله ( هو ) وقوله ( مولود ) ، والسبب في مجيئه على هذا السنن : أن الخطاب للمؤمنين ، وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر ، وعلى الدين

--> ( 1 ) نفس المصدر - 1 / 3 . ( 2 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 221 . ( 3 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 471 . ( 4 ) نفس المصدر - 2 / 183 . ( 5 ) نفس المصدر - 1 / 73 - آية ( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ) [ الروم - 26 ] - لتصغير شأن من في السماوات والأرض .