منير سلطان

151

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

والتجدد فنحن حين نقول « زيد منطلق تثبت له صفة الانطلاق ، كالانطلاق وحين نقول جاء زيد وهو ينطلق فنكون قد أثبتنا له صفة الانطلاق المتجددة ، وهنا يتضح الفرق بين قوله تعالى ( وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) [ الكهف - 18 ] وبين القول ( وكلبهم يبسط ذراعيه بالوصيد ) من حيث الثبات والتجدد والحركة والكمون « 1 » . هي نظرية تبحث عن المعاني التي تنشأ عن النحو ، وعن طريق النحو تتحدد العلاقات بين الألفاظ ، وهذه العلاقات ليست في مستوى واحد من الوضوح ، لذا احتاجت إلى نظر وفكر وتأمل وإلى منطق تستند إليه دقائق الأمور . الجانب النفسي : ومعاني النحو هذه والمنطق ، استندا - عند الجرجاني ، إلى عنصر ثالث عندما يقرر نظرية النظم سرا للاعجاز - أقصد به القارئ نفسه وعملية التأثير فيه - فلم ينس الجرجاني قارئه ، بل اعتنى به عناية خاصة ، وظل يراعيه ويقدم له الرأي بعد الرأي ، ويزيل عنه الشك بعد الشك وهو - في براعة وذكاء - يجول في نفس قارئه ، يطمئنها ويريحها ليكسب ثقتها ويشعرها بكريم المقصد ، ونبل الغاية ، وأحقية الصبر والروية للوصول إلى نهاية الطريق . لقد عول الجرجاني كثيرا على الذوق ، وعلى تنبيه الحس اللغوي لزنة الأساليب ودرك خصائصها « 2 » فتراه يتحدث عن منشئ الكلام - أنه حين ينظم الكلام ، إنما يقتفى في نظمها آثار المعاني ويرتبها على حسب ترتيبها في النفس ، يقول « فهو إذن نظم فيه مراعاة حال المنظوم بعضه من بعض ، وليس هو النظم الذي معناه : ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق » « 3 » . والناظم يتميز عن ناظم آخر بقدر معانيه التي قصد إليها وأغراضه التي وضع لها الكلام ، فسبيل هذا الأمر « سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش ،

--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 115 . ( 2 ) نفس المصدر - 4 . ( 3 ) نفس المصدر - 35 .