منير سلطان

15

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

لذا رأيت أن أكرس جهدي لدرس جهد المعتزلة والأشاعرة إن معظم الآثار التي دارت حول الاعجاز هي لمعتزلى أو لأشعرى . واختططت للبحث منهجا تاريخيا ، فبعد تمهيد عن نشأة علم الكلام وازدهاره وعن نشأة المعتزلة وارتقائها ثم تدهورها تعرضت لجهود النظام ثم الجاحظ يليهما الجبائيات أو على وابنه أبو هاشم ثم الرّمّانى ثم القاضي العظيم عبد الجبار ، وكان ذلك الباب الأول . وقد جعلت الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني - الأشعريين - في باب ثان أفردته للأشاعرة ونظرية إعجاز القرآن ، وحين تعرضت للزمخشري ، وما بذله من جهد محمود لم أستطع أن أضعه مع قرنائه في الباب الأول ، لأنه قد تأثر تأثرا مباشرا بعبد القاهر الجرجاني فاقتضى البحث أن نتعرف أولا على ما قدّمه الجرجاني ثم نقفى ذلك بما زاده الزمخشري . ولم يقتصر الأمر على ما بلغ ، فهناك ثلاثة متكلمين بحثوا في الإعجاز ، أحدهما ظاهري : وهو ابن حزم الأندلسي والآخران : معتزلي : وهو السكاكى ، وأشعري : وهو الرازي ، وقد درسوا الإعجاز وتوصلوا فيه إلى رأى خاص بهم طريف ولكنه ليس في روعة ما فعله الأولون . وأخيرا انتهى بي البحث إلى أن أتساءل ما ذا قدم المعتزلة للإعجاز وكذا الأشاعرة ؟ وفيما اتفقا وفيم اختلفا ؟ وبعد - فلا بد أن أشير هنا إلى أنّهم قد قدّموا الجديد في ميدان النقد وميدان البلاغة ، وهل كانت قضية الإعجاز إلا جانبا فلسفيا يعضّده آخر فنى جمالى ؟ أما عن المصادر ، فقد تنوعت تبعا لطبيعة البحث - وكانت كتب الفرق في مقدمة المصادر ، وعليها ملحظ ، فمعظم من درس الفرق من المتكلمين كان أشعريا ، فأدى به تعصّبه أن يظلم المعتزلة ويشوّه . آراءهم أو يبترها أو يعتمد على المشهور منها بلا تمحيص ، استخفافا بهم - ويظهر أن كتابات ابن الراوندي المخلوع من المعتزلة ، كانت مصدر الأشاعرة عن المعتزلة ، فكيف يطمئنّ إليها ، ولولا أن قيّض اللّه لكتب القاضي عبد الجبار أن تظهر وتشرح الرأي الواضح للمعتزلة ، لظل تعصب الأشاعرة في كتبهم منبعا لنا في تفهّم آراء المعتزلة وفي