منير سلطان
149
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
لجاز أن يفكر البنّاء في الغزل ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع من الآجرّ ، وهو من الإحالة المفرطة « 1 » . والتفكير المنطقي ينأى عن الأحكام العامة والأقوال المجملة لأن هدفه الصحة وديدنه الوضوح ، فلا يكفى في علم الفصاحة ( أن تنصب لها قياسا ما ، وأن تصفها وصفا مجملا ، وتقول فيها مرسلا ، بل لا تكون في معرفتها في شئ ، حتى تفصّل القول وتحصّل ، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم ، وتعدّها واحدة واحدة وتسميها شيئا شيئا . . . وإذا نظرت إلى الفصاحة هذا النظر ، وطلبتها هذا الطلب احتجت إلى صبر على التأمل ، ومواظبة على التدبر ، وإلى همة تأبى لك أن تقنع إلا بالتمام « 2 » . فالأدلة والتعليل مقصد الجرجاني ، انظر إليه وهو يقرر أن فصاحة الكناية تأتى من جانبها العقلي وكذا الاستعارة يقول عن الكناية « وإذا نظرت إليها وجدت حقيقتها ومحصول أمرها : أنها إثبات لمعنى ، أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ . ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم : « هو كثير رماد القدر » ، وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضّيافة ، لم تعرف ذلك من اللفظ ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك ، فقلت أنه كلام قد جاء عنهم في المدح ، ولا معنى للمدح بكثرة الرّماد ، فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلّوا بكثرة الرماد أنه تنصب له القدور الكثيرة ويطبخ فيها للقرى والضيافة ، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها وإذا كثر إحراق الحطب كثر الرماد لا محالة ، وهكذا السبيل في كل ما كان « كناية » . . . وإذا عرفت هذا في الكناية فالاستعارة في هذه القضية « 3 » . ومن ثم وجد الجرجاني نفسه مطالبا بعد حديثه المفصل عن الاستعارة وفصاحتها بأن يشير إلى غلط العلماء في تفسير الاستعارة ، وأن يحدد لها معنى يرتضيه ويتوافق مع تفكيره ونظريته في النظم يقول ( . . . فقد تبين من غير وجه أن
--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 36 . ( 2 ) الجرجاني - الدلائل - 27 . ( 3 ) نفس المصدر - 280 .