منير سلطان
147
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط والجزاء بما يدخل عليه ، وذلك أن شأن هذه المعاني أن تتناول ما تتناوله بالتقييد ، وبعد أن يسند إلى شئ . معنى ذلك ، أنك إذا قلت « ما خرج زيد » ، « وما زيد خارج » ، لم يكن النفي « واقع بها متناولا الخروج على الإطلاق ، بل الخروج واقعا من زيد ومسندا إليه . ومختصر كل الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد . وأنه لا بدّ من مسند ومسند إليه ، . . . وأنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلا ، ولا من حرف واسم ، إلا في النداء نحو : « يا عبد الله » . . . . فهذه الطرق والوجوه في تعلق الكلمة بعضها ببعض ، وهي كما تراها معاني النحو وأحكامه . . . ثم إنا نرى هذه كلها موجودة في كلام العرب ، ونرى العلم بها مشتركا بينهم « 1 » ومعاني النحو شئ والإعراب المعروف شئ آخر ، بعيد كل البعد عن معاني النحو ، « فالعلم بالإعراب ، مشترك بين العرب كلّهم ، وليس هو مما يستنبط بالفكر ، ويستعان عليه بالرؤية ، فليس أحدهم ، بأن إعراب الفاعل الرفع ، أو المفعول النصب ، والمضاف اليه الجر . بأعلم من غيره ، ولا ذاك مما يحتاجون فيه إلى حدة ذهن وقوة خاطر ، وإنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك ، العلم بما يوجب الفاعلية للشيء ، إذا كان ايجابها من طريق المجاز ، كقوله تعالى ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ) [ البقرة - 16 ] وكقول الفرزدق . . سقتها خروق في المسامع . . . وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدقّ ، ومن طرق تلطف ، وليس يكون هذا علما بالاعراب ولكن بالوصف الموجب بالإعراب « 2 » . وإذا كان الأمر كذلك ، فليس النظم ( شيئا غير « توخى معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم ، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن ، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه « 3 » وموضعه ومكانه ، وأنه لا مستنبط له سواها ، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها ، غار نفسه بالكاذب من الطمع ، ومسلم لها الخدع ، وأنه إن أبى
--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - الصفحات من ( ز ) إلى ( ف ) من المدخل . ( 2 ) الجرجاني - الدلائل - ص 395 تحقيق محمود شاكر ، ورجعت إليها في هذا النص لأن نسخة الدلائل التي رجعت إليها في البحث ليست بين يدي . المهم توثيق النص . ( 3 ) المعان : المباءة والمنزل ، ويعدّ بعضهم ميمه أصلية ، وبعضهم أنه على وزن « مفعل » .