منير سلطان
132
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وتتلخص دلائل الأحوال في نظره ، فيما يلي : ( ا ) المتعارف من عادات الناس وطبائعهم أن لا يسلّموا لخصومهم بالفضيلة وهم يجدون سبيلا إلى دفعها ، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم . ( ب ) وإذا كان واجبا ، فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب ، وفي مثل قريش ذوى الأنفس الأبية من يدعى النبوة وحجّته كتاب عربى مبين يعرف العرب ألفاظه ويفهمون معانيه ، إلا أنه تحداهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور منه أو بسورة ، ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبيّنوا سرفه في دعواه مع إمكان ذلك ؟ . ( ح ) هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رئاسة ولهم دين ونحلة ، فيؤلّب عليهم الناس ، ويدبر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم وفي قتل صناديدهم وكبارهم وسبى ذراريهم وأولادهم ، وعمدته التي تجد بها السبيل إلى تألّف من يتألفه ، دعوى له إذا أبطلت بطل أمره كله ، ثم لا يعرض له في تلك الدعوى ولا يشتغل بإبطالها مع إمكان ذلك ، ومع أنه ليس بمعتذر ولا ممتنع ؟ إذن فالطبيعة البشرية ؟ وطبيعة العرب النفسية ، وطبيعة الدعوى التي جاء بها الرسول تؤدى في وضوح ، إلى العجز التام عن أبطال حجة النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » . أما دلالة الأقوال « 2 » : فيذكر عنها الجرجاني - أنها كثيرة - منها حديث ابن المغيرة ، وما حدث لعتبة بن ربيعة ، ومنه ما جاء في سبب إسلام أبي ذر ، روى أنه قال : قال لي أخي أنيس : إن لي حاجة إلى مكة فانطلق ، فراث ، فقلت : ما حبسك ؟ . قال : لقيت رجلا يقول إن اللّه تعالى أرسله ، فقلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر ساحر كاهن - قال أبو ذر : وكان أنيس أحد الشعراء ، فقال : تاللّه لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد ، ولقد سمعت قول الكهنة ، فما هو بقولهم ، واللّه أنه لصادق وأنهم لكاذبون . وفي هذا السبيل ، رواية الوليد ابن عتبة بطبيعة الحال .
--> ( 1 ) انظر الرسالة الشافية في كتاب الدلائل - تحقيق محمود شاكر ص 580 . ( 2 ) انظر المصدر السابق ص 581 وما بعدها .