منير سلطان
104
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
والجرجاني قد شغله الجانب البلاغي ولم يفصّل القول في الجانب الكلامي بالصورة التي ترينا الفروق بوضوح بين التفكير الاعتزالى والآخر الأشعري . ومن هنا تظهر لنا أهمية دراسة الجانب الكلامي عند الباقلاني . يرى الباقلاني أن « الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن أن نبوة نبينا عليه السلام بنيت على هذه المعجزة ، وأن كان قد أيّد بعد ذلك بمعجزات كثيرة » « 1 » أي أننا نثبت إعجاز المعجز أولا حتى ننتقل منه إلى إثبات نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، بينما نادى القاضي عبد الجبار بأن إثبات النبوة يجب أن يسبق إثبات إعجاز المعجز لأن النبوة حينما يتأكد منها الشاك ، سيتقبل بالتالي كل ما ورد عنها من معجزات « 2 » . ولم ير الباقلاني في القول بالصرفة وجها من وجوه الإعجاز ، يقول . فإن قيل ، فلم زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات وتصرفهم في أجناس الفصاحات ؟ وهلا قلتم أن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه من هذه الطرق الغريبة ، كان على مثل نظم القرآن قادرا ، وإنما يصرفه اللّه عنه ضربا من الصرف ، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضربا من المنع ، أو تقصر دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه ، ليتكامل ما أراده اللّه من الدلالة ، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة ، لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين ، لم يعجز عن نظم مثلهما ، وإذا قدر على ضم الثانية إلى الأولى ، وكذلك الثالثة ، حتى يتكامل قدر الآية أو السورة ؟ فالجواب : أنه لو صحّ ذلك لصحّ لكل من أمكنه نظم ربع بيت أو مصراع من بيت أن ينظم القصائد ، ويقول الأشعار ، وصح لكل ناطق قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة ، نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة ، ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن ، على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع ، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه ، ومنع من مقدار الفصاحة في نظمه ، وكان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الاتيان بمثله ، ومنعوا عن معارضته وعدلت دواعيهم عنه ، فكان يستغنى عن إنزاله على
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 10 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 152 وما بعدها .