أحمد بن الحسين البيهقي

69

استدراكات البعث والنشور

[ 104 ] - قال الشيخ : يجمع بينهما بأن بعضهم يحشر عاريا وبعضهم كاسيا ، أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء « 1 » ، فأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، أو يخرجون من قبورهم بالثياب التي ماتوا فيها ، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر ، فيحشرون عراة ، ثم يكون أول من يكسى إبراهيم . وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء ، لأنهم الذين أمر أن يزمّلوا في ثيابهم ويدفنوا فيها ، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم . وحمله بعض أهل العلم على العمل ، وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى : وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [ سورة الأعراف الآية : 26 ] ، وقوله تعالى : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ سورة المدّثر الآية : 4 ] . على أحد الأقوال وهو قول

--> [ 104 ] فتح الباري ( 11 / 322 ) . البدور السافرة ص - 15 . نهاية البداية والنهاية ( 1 / 288 - 289 ) . ثم قال القرطبي : وذهب أبو حامد - أي الغزّالي - في كتاب كشف علوم الآخرة إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « بالغوا في أكفان موتاكم ، فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة » . رواه أبو سفيان مسندا . قال القرطبي : وهذا الحديث لم أقف عليه ، واللّه أعلم بصحته ، وإن صحّ فيكون معناه ، فإن أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا تتناقض الأخبار ، ولا يعارض هذا الباب ما تقدّم أول الكتاب من أن الموتى يتزاورون في قبورهم بأكفانهم ، فإن ذلك يكون في البرزخ ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء . قال الحافظ في الفتح ( 11 / 322 ) : في الزيادة التي في الحديث : « فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة » : لم أجد لها أصلا . وقال السيوطي في الحاوي للفتاوى ( 2 / 196 ) وأخرج الدينوري في المجالسة عن الحسن قال : يحشر الناس كلّهم عراة ما خلا أهل الزهد . وهذا له حكم المرفوع المرسل . وإذا خص من الحديث الشهداء وأهل الزهد ، فالأنبياء من باب أولى وقال : أحاديث الحشر عراة عارضها أحاديث أخر صرّح فيها بأن الناس يحشرون في أكفانهم . واختلف العلماء في ذلك : فمنهم من سلك مسلك الترجيح فرجّح أحاديث الحشر في الأكفان على أحاديث الحشر عراة وهذا رأي القليل ، والأكثرون سلكوا مسلك الجمع فجمعوا بين الأحاديث بأن أحاديث الحشر في الأكفان خاصة بالشهداء ، - يعني فالأنبياء بالأولى كما مرّ - وأحاديث الحشر عراة في غيرهم ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصحّحه والبيهقي عن أبي ذرّ قال حدّثني الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج : فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم . وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود والترمذي . ومن حديث معاوية بن حيدة أخرجه أحمد والترمذي والنسائي . ( 1 ) انظر تعليق ( 2 ) من [ 142 ] .