عبد الملك الجويني
95
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
به ؛ فقد أمره أن يصدقه بأنه لا يصدقه ، وذلك جمع نقيضين . وقد نطقت آي من كتاب اللّه تعالى بالاستعاذة من تكليف ما لا طاقة به ، فقال تعالى : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ سورة البقرة : 286 ] ؛ فلو لم يكن ذلك ممكنا ، لما ساغت الاستعاذة منه . فصل فإن قيل : بم علمتم خروج الألوان والطعوم ونحوها عن كونها مقدورة للعباد ؟ قلنا : لو كانت مقدورة لهم على الجملة لاتصفوا بالعجز عنها إذا لم يقدروا عليها ، إذ المحل لا يخلو عن الشيء وضده . فإن قيل : ما يؤمنكم أنهم عاجزون عنها ؟ قلنا : لو عجزوا عنها لأحسوا عجزهم ، إذ العجز مما يحس كالعلوم والإرادات ونحوها . والدليل عليه أن العجز عما يجوز أن يكون مقدورا ، يجب أن يكون مدركا عند انتفاء الآفات المانعة من العلوم . ثم لا يجب إدراكه لكونه عرضا ، ولا لصفة أخرى سوى كونه عجزا ، فيلزم إدراك كل عجز لذلك . فإذا لم يدرك عجزا عن الألوان ولا اقتدارا عليها ، قطعنا بخروجها عن قبيل المقدورات . واللّه الموفق للصواب . فصل ما علم الباري سبحانه أنه لا يقع من الحوادث ، فإيقاعه مقدور له . ويتبين ذلك بالمثال أن إقامة الساعة مقدورة للّه في وقتنا ، وإن علم أنها لا تقع ناجزة ، وقد اضطرب المتكلمون في هذا الفصل ، ولا محصول للاختلاف فيه عندي . فإن المعنى بكون المعلوم الذي لا يقع مقدورا للّه تعالى أنه في نفسه ممكن ، وأن القدرة عليه في نفسها صالحة له ، لا يقصر تعلقها عنه حسب قصور تعلق القدرة الحادثة عن الألوان ؛ فهذا المعنى بكونه مقدورا ، ثم ما علم اللّه أنه لا يقع ، فإنه لا يقع قطعا . فصل القدرة الحادثة لا تتعلق إلا بقائم بمحلها ، وما يقع مباينا لمحل القدرة فلا يكون مقدورا بها ، بل يقع فعلا للباري تعالى من غير اقتدار العبد عليه . فإذا اندفع حجر عند اعتماد العبد عليه ، فاندفاعه غير مقدور للعبد عند أهل الحق . وذهبت المعتزلة إلى أن ما يقع مباينا لمحل القدرة ، أو للجملة التي محل القدرة منها ، فيجوز وقوعه متولدا عن سبب مقدور مباشر بالقدرة . فإذا اندفع الحجر عند الاعتماد عليه ، فاندفاعه متولد عن الاعتماد القائم بمحل القدرة .