عبد الملك الجويني

93

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد

فاعلم ذلك ، واقطع بأن من قال : العبد عاجز عن الأجسام والألوان ، فهو متجوز . والمراد بالعجز المتجوز به انتفاء القدرة ، وهذا كما أن الجهل ضرب من الاعتقاد . وقد يسمى الغافل عن الشيء جاهلا به ، وإن لم يكن معتقدا شيئا ؛ فيخرج من ذلك أن المضطر إلى رعدته عاجز عنها معها ، كما أن المتحرك على اختيار قادر على حركته مع حركته . فصل القدرة الحادثة لا تتعلق إلا بمقدور واحد ، وقد ذهبت المعتزلة إلى أن القدرة تتعلق بالمضادات ، وذهب الأكثرون منهم إلى تعلقها بالمختلفات التي لا تتضاد . ثم أصلهم أن القدرة الحادثة تتعلق بما لا نهاية له من المقدورات على تعاقب الأوقات . وهم متفقون على أن القدرة الواحدة لا يتأتى بها إيقاع مثلين ، في محل واحد جميعا في وقت واحد وإنما يقع مثلان كذلك بالقدرتين . فإن كثرت أعداد الأمثال ، مع اتحاد المحل والوقت ، كثرت القدر على عدتها . والأولى بنا بناء هذه المسألة على التي قبلها ، فنقول في منع تعلق القدرة الحادثة بالضدين : لو تعلقت بهما لقارنتهما ، ومن ضرورة ذلك اقترانهما ، وهو باطل على الضرورة . فإن استحالة اجتماع الضدين مدركة بالبداية ، وإن فرضنا الكلام في المختلفات التي لا تتضاد قلنا : لو تعلقت قدرة واحدة بكل ما يصح أن يكون مقدورا للعبد ، لوجب أن تكون القدرة القادرة على الدبيب قادرة على اكتساب جميع العلوم والإرادات ونحوها من المقدورات . وهذا مما يعلم بطلانه ، ويستغني فيه عن سبر نظر وتقسيم فكر . ثم البناء على المسألة المتقدمة يطرد في هذا الطرف . فنقول : للمخالفين إذا حكمتم بأن القدرة الواحدة تتعلق بالضدين ، فلم يختص أحد الضدين بالوقوع بالقدرة بدلا عن الثاني ؟ فإن قالوا : إنما يقع من الضدين ما تجرد القصد إليه ، ولذلك يختص بالوقوع ، فهذا باطل من وجهين : أحدهما أن الغافل والنائم قد يقع منهما أحد الضدين من غير إرادة ، وصلاح القدرة للواقع كصلاحها للذي لم يقع : والوجه الثاني ، أن نقول : إذا وقعت الإرادة مقدورة ، والكراهية التي هي ضد لها مقدورة أيضا ، فما بال الإرادة اختصت بالوقوع ، والإرادة لا تراد عند كم ؟ ولا مخلص للمعتزلة من هذا المضيق والواقع عندنا مقدور ، ولذلك وقع بخلق القدرة عليه ، مع القطع بأنها لا تصلح لغير ما وقع . ومما ألزم المعتزلة في ذلك ، أن يقال لهم : الغفلة تضاد العلم ؛ ولذلك يعدم العلم عندكم بطريان الغفلة كما يعدم السواد بطريان البياض ، فيجب أن يكون القادر على العلم بالشيء قادرا على الغفلة عنه ، ومعلوم قطعا أن الغفلة غير مقدورة . وللمعتزلة في ذلك خبط لا يحتمل هذا المعتقد ذكره . فإن قالوا : سبيل القادر أن يتخير بين الإقدام على الشيء والانفكاك عنه ، وإنما يتحقق ذلك