عبد الملك الجويني
71
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
فإذا انصرم هذان الركنان ، لم يبق بعدهما إلا الكلام فيما يجوز على اللّه تعالى ، وبنجاز ذلك يتصرم المعتقد ، وباللَّه التوفيق . باب القول فيما يجوز على اللّه تعالى هذا الباب ينقسم ، ويتفنّن ، ويندرج تحته أصول عظيمة الموقع . ونحن نرى تصديره بإثبات جواز تعلق الرؤية باللَّه تعالى . باب إثبات جواز الرؤية على اللّه تعالى فصل الأولى بنا تقديم فصول يتعلق بها احتجاج أهل الحق ، ويستند إليها الانفصال عن شبه المخالفين ؛ فمن أهمها : إثبات الإدراك شاهدا . فالذي صار إليه أهل الحق ومعظم المعتزلة أن المدرك شاهدا مدرك بإدراك ، كما أن العالم شاهدا عالم بعلم . وذهب ابن الجبائي وشيعته إلى نفي الإدراك شاهدا وغائبا . والمصير إلى أن المدرك هو الحي الذي لا آفة به . وكل ما دل على إثبات الأعراض فهو دال على إثبات الإدراكات فإنا استدللنا على ثبوت العلم بتجدد حكمه ، وهو كون العالم عالما ، ثم سبرنا الدلالة وقسمناها على حسب ما سبق من سبيل التوصل إلى إثبات المعاني ، فيجرّنا سياق الدليل إلى إثبات العلم بكون المدرك مدركا ؛ وكما يتجدد كون العالم عالما شاهدا ثم لا يلزم ذلك غائبا فكذلك يتجدد كون المدرك مدركا . ومن حمل كون المدرك مدركا على كونه حيا وانتفاء الآفة عنه ، لم يتجه له انفصال عن من يسلك هذا المسلك بعينه في العلوم والقدر والإرادات ؛ وإن حمل الإدراك على حصول بنية مخصوصة ، لم يبعد حمل العلم أيضا على بنية مخصوصة . والجملة المغنية عن التفصيل : أن نفي الإدراكات يطرّق القوادح إلى سبيل إثبات الأعراض . وإذا ثبت الإدراك بما أشرنا إليه ، فاعلموا أن الإدراك لا يفتقر إلى بنية مخصوصة ، وهذا باطل