عبد الملك الجويني
52
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
الدليل على استحالة قبوله للحوادث ، ولا يبقى بعد بطلان هذه الأقسام إلا مذهب أهل الحق في وصف الباري تعالى بكونه متكلما بكلام قديم أزلي . وفي طرق الحجاج العقلية متسع ، وفيما ذكرناه مقنع . فصل فمما عولوا عليه أن قالوا : إذا أثبتم كلاما أزليّا ، لم يخل بعد ذلك من أمرين ؛ إما أن تقضوا بكون الكلام الأزلي أمرا ، نهيا ، إخبارا ؛ وإما ألا تقضوا بذلك . فإن زعمتم أنه كان في الأزل أمرا ، نهيا ، إخبارا ، فقد أحلتم ؛ فإن من حكم الأمر والنهي ، أن يصادفا مأمورا ومنهيا ، ولم يكن في الأزل مخاطب متعرض ، لأن يحثّ على أمر ، ويزجر عن آخر ، وليس يعقل أمر لا مأمور له ، ويستحيل كون المستحيل مأمورا . وإن زعمتم أن الكلام في الأزل لم يكن موصوفا بأحكام أوصاف الكلام ، فقد ذهبتم إلى ما لا يعقل . والكلام على المذهب ، ردّا أو قبولا ، فرع لكونه معقولا . قلنا : قد ذهب عبد اللّه بن سعيد بن كلّاب رحمه اللّه « 1 » من أصحابنا إلى أن الكلام الأزلي لا يتصف بكونه أمرا ، نهيا ، خبرا ، إلا عند وجود المخاطبين واستجماعهم شرائط المأمورين المنهيين . فإذا أبدع اللّه العباد ، وأفهمهم كلامه على قضية أمر ، أو موجب زجر ، أو مقتضى خبر ، اتصف عند ذلك الكلام بهذه الأحكام ، وهي من صفات الأفعال عنده ، بمثابة اتصاف الباري تعالى فيما لا يزال بكونه خالقا رازقا محسنا متفضلا . وهذه الطريقة وإن درأت تشغيبا فهي غير مرضية . والصحيح ما ارتضاه شيخنا رضي اللّه عنه من أن الكلام الأزلي لم يزل متصفا بكونه أمرا نهيا خبرا ، والمعدوم على أصله ، مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود ، والأمر القديم في نفسه على صفة الاقتضاء ، ممن سيكون إذا كانوا . والذي استنكروه من استحالة كون المعدوم مأمورا لا تحصيل له . والوجه أولا معارضتهم بأصل لهم يصدهم عن هذا الإلزام . وذلك أن مذهبهم أن المأمور به معدوم ، وإذا توجه الأمر على العبد بفعل ، فالفعل قبل وجوده مأمور به . وإذا وجد ، خرج عن كونه مأمورا به في حال حدوثه ، كما خرج إذ ذاك عن كونه مقدورا على أصلهم ، وليس بين النفي والإثبات رتبة . فإذا لم يكن الفعل الثابت مأمورا به ، كان النفي مأمورا به متعلقا بالأمر ؛ فإذا لم يبعدوا مأمورا به معدوما ، لم يستقم منهم استبعاد مأمور معدوم . وما ذكروه أبعد ؛ فإنا نجوز كون المعدوم مأمورا على تقدير الوجود ، وإذا وجد تحقق كونه
--> ( 1 ) هو ابن سعيد أو ابن محمد كما في طبقات الشافعية ( 2 / 51 ) ابن كلاب أحد أئمة المتكلمين من أهل السنة . وتوفي بعد عام 240 ه بقليل .