عبد الملك الجويني
48
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
وإن رددنا إلى إطلاق أهل اللسان ، عرفنا قطعا أن العرب تطلق كلام النفس والقول الدائر في الخلد ، وتقول : كان في نفسي كلام ، وزورت في نفسي قولا ، واشتهار ذلك يغني عن الاستشهاد عليه بنثر لناثر أو شعر لشاعر ، وقد قال الأخطل : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا فإن قال المخالف : الألفاظ المفيدة يسميها العقلاء كلاما على الإطلاق ، ويقولون سمعنا كلاما ومرامهم ما أدركوه من العبارات قلنا : الطريقة المرضية عندنا أن العبارات تسمى كلاما على الحقيقة ، والكلام القائم بالنفس كلام ، وفي الجمع بينهما ما يدرأ تشغيب المخالفين . ومن أصحابنا من قال الكلام الحقيقي هو القائم بالنفس ، والعبارات تسمى كلاما تجوزا كما تسمى علوما تجوزا ؛ إذ قد يقول القائل سمعت علما وأدركت علوما ، وإنما يريد إدراك العبارات الدالة على العلوم ، ورب مجاز يشتهر اشتهار الحقائق . فصل المتكلم عند أهل الحق من قام به الكلام . والكلام عند مثبتي الأحوال منهم يوجب لمحله حالا وهي كونه متكلما ، وينزل الكلام في ذلك منزلة العلوم والقدر ونحوها من الصفات الموجبة لمحالها الأحكام . وذهبت المعتزلة ، وكل قائل بأن كلام اللّه تعالى حادث ، إلى أن كون المتكلم متكلما من صفات الأفعال ، والمتكلم عندهم من فعل الكلام . ثم ليس للفاعل من فعله حكم يرجع إلى ذاته ، إذ المعنى بكون الفاعل فاعلا عندهم وقوع الفعل منه ، وعلى موجب ذلك لم يشترطوا قيام الكلام بالمتكلم ، كما لا يجب قيام الفعل بالفاعل ، وهو من أهم ما يعتني به في هذا الفصل . فنقول : لو كان المتكلم من فعل الكلام ، لكان لا يعلم المتكلم متكلما من يعلمه فاعلا للكلام ، وليس الأمر كذلك . فإن من سمع كلاما صادرا من متكلم استيقن كونه متكلما ، من غير أن يخطر بباله كونه فاعلا لكلامه أو مضطرا إليه ، فإذا اعتقد كونه متكلما مع الإضراب عن هذه الجهالات ، تقرر بذلك أن كون المتكلم متكلما ليس معناه كونه فاعلا للكلام . والذي يوضح ذلك أنا نعتقد أن لا فاعل على الحقيقة إلا اللّه تعالى ، ونصمم على هذا الاعتقاد ، ولا يزعنا عن العلم الضروري بكون المتكلم متكلما . ومما يقوي التمسك به أن نقول : الكلام عندكم أصوات متقطعة وحروف منتظمة ضربا من الانتظام ؛ فإذا قال القائل منا : قد قمت اليوم إلى زيد ، فهذا الصادر منه كلامه وهو المتكلم به . فلو خلق اللّه تعالى هذه الأصوات على انتظامها في العبد ضرورة فلا يخلو المخالف ، وقد فرضنا الكلام في ذلك ؛ إما أن يقضي بكون محل الكلام متكلما ، وإما أن لا يقضي به . فإن زعم أن المحل هو