عبد الملك الجويني
43
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
القصد إلى إيقاع فعل ، مع العلم به ، يلزم صاحبه نفي المقصود إلى إيقاع جميع الأفعال . فإذا قالوا : الإرادة يراد بها وهي لا تراد في نفسها ، لم يكترث بقولهم ، وألزموا ما ذكرناه من استحالة إنشاء فعل مع العلم به من غير قصد إليه . وقد ادعى بعض المحققين في ذلك الضرورة ، وهو غير مبعد في دعواه . ولو ساغ للبصريين ما قالوه ، لساغ لجهم أن يقول : الباري تعالى يخلق لنفسه علوما حادثة بالحوادث يجب أن يعلم الحوادث بها ، ولا يجب أن يعلم العلوم بأنفسها بعلوم أخرى ، وهذا مما لا فصل فيه . ثم نقول : قد وافقتمونا على أن المتماثلين يجب اشتراكها في الواجبات والجائزات وما يستحيل ، ثم أوجبتم لإرادتنا القيام بالمحال ؛ فالتزموا ذلك في إرادة الباري تعالى . ثم يلزمهم قيام إرادة الباري تعالى عن زعمهم ، بالجماد . فإن حاولوا دفع ذلك ، وقالوا الإرادة تستدعي محلا مخصوصا وبنية مخصوصة وحياة ، قيل لهم : إثباتكم إرادة لا في محل ، نفي للمحل والبنية والصفة التي أشرتم إليها ؛ فإذا ساغ نفي أصل المحل ، لم يبعد نفي شرط المحل . فصل ذهب جهم « 1 » إلى إثبات علوم حادثة للرب ، تعالى عن قول المبطلين . وزعم أن المعلومات إذا تجددت أحدث الباري سبحانه وتعالى علوما متجددة ، بها يعلم المعلومات الحادثة ، ثم العلوم تتعاقب حسب تعاقب المعلومات في وقوعها متقدمة عليها . والذي ذكره خروج عن الدين ومخالفة لإجماع المسلمين ، وإضراب عن قضية العقول . وسبيل الرد عليه في مدارك العقل يداني سبيل الرد على البصريين ، في اعتقادهم الإرادات الحادثة الثابتة على زعمهم للّه تعالى في غير محالّ . فنقول لجهم : إن افتقرت الإرادات إلى علوم متعلقة بها ، فلتفتقر العلوم الحادثة إلى علوم أخر متعلقة بها ، بأنها مشاكة للمعلومات في كونها أفعالا حوادث ؛ وذلك إن التزمه تجر إلى إثبات علوم لا نهاية لها ، وهي متعاقبة حادثة ، ومفاده تسويغ حوادث لا أول لها . وإن لم يلتزم ذلك ، لزمه من استغناء العلوم عن علوم حدوثها ، استغناء جملة الحوادث عن تعلق العلوم بها . ثم العلوم الحادثة عند جهم لا تخلو : إما أن تكون ثابتة في غير محل ، أو قائمة بأجسام ، أو
--> ( 1 ) هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ رقم ( 1584 ) : « الضال المبتدع ، رأس الجهمية » . زعم أن الجنة والنار تبيدان وزعم أن الإيمان هو المعرفة باللّه فقط ، وأن الكفر هو الجهل به فقط انظر الفرق بين الفرق .