عبد الملك الجويني

34

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد

وكل ما ذكرناه كلام في أحد القسمين الموعودين في صدر الكلام على البصريين ، وهو التعرض لكون الباري تعالى مريدا . فأما الرد عليهم في إثبات الإرادة الحادثة ، فسنذكره عند خوضنا في إثبات الصفات إن شاء اللّه ، فإنا بعد في إثبات العلم بأحكامها . فصل الباري تعالى سميع بصير عند أهل العقل ، واختلفت مذاهب أهل البدع والأهواء . فذهب الكعبي وأتباعه من البغداديين إلى أن الباري تعالى إذا سمي سميعا بصيرا ، فالمعنى بالاسمين كونه عالما بالمعلومات على حقائقها ، وإلى ذلك ذهبت طوائف من النجارية . وذهب المتقدمون من معتزلة البصرة إلى أن الباري تعالى سميع بصير على الحقيقة ، كما أنه عالم على الحقيقة ، وزعموا أنه سميع بصير لنفسه . وذهب الجبائي وابنه إلى أن المعنى بكونه سميعا بصيرا ، أنه حي لا آفة به . ومن أصلهما أن حقيقة السميع والبصير شاهدا يضاهي حقيقتهما غائبا . والدليل على أن الباري تعالى سميع بصير على الحقيقة ، أن الأفعال دالة على كونه حيا كما سبق تقريره ، والحي يجوز أن يتصف بكونه سميعا بصيرا ، وإذا خرج عن كونه سميعا بصيرا لزم اتصافه بكونه مئوفا ، إذ كل قابل لنقيضين على البدل لا واسطة بينهما يستحيل خلوه عنهما ، فإذا تقرر استحالة كونه مئوفا ، تقرر اتصافه بكونه سميعا بصيرا ؛ فهذا تحرير الدلالة ، والغرض منها يتبين بأسئلة وانفصالات عنها . فإن قال قائل : قد بنيتم كلامكم هذا على قبول الباري تعالى الاتصاف بكونه سميعا بصيرا ، فبم تنكرون على من يأبى ذلك وينكره ، ويزعم أن الباري تعالى يستحيل عليه قبول السمع والبصر وأضدادهما ، كما يستحيل عليه قبول الألوان ؟ قلنا : قد وضح أن الحي شاهدا قابل للاتصاف بالسمع والبصر ، فإذا اتصف بالحياة تهيأ لقبول السمع والبصر إن لم تقم به آفات ؛ ثم إذا سبرنا صفات الحي ؛ روما للعثور على ما يصحح قبوله للسمع والبصر ، لم يصح على السبر إلا كونه حيا ، إذ لو قدرنا مصححا آخر سوى ذلك لبطل التقدير ؛ فإذا وضح أن الحي باين الجماد في صحة قبول السمع والبصر لكونه حيا ، لزم من ذلك القضاء بمثله في كون الباري تعالى حيا . وليس منكر صحة قبول السمع والبصر وحكمهما ، بأسعد حالا ممن يزعم أن الباري تعالى لا يتصف بالعلم وأضداده ، مصيرا إلى أنه يستحيل أن يتصف بأحكامها ؛ فهذا القدر كاف في غرضنا . فإن قيل : ما الدليل على امتناع عروّ الشيء عن أحكام الأضداد مع جواز قبوله للآحاد ؟ قلنا : كل ما يدل على استحالة عرو الجواهر عن المتضادات فهو دليل على ذلك ، وقد سبق الإيماء إلى ذلك في أول المعتقد .