عبد الملك الجويني
25
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
وذهبت النصارى إلى أن الباري ، سبحانه وتعالى عن قولهم ، جوهر ، وأنه ثالث ثلاثة ، وعنوا بكونه جوهرا أنه أصل للأقانيم . والأقانيم عندهم ثلاثة : الوجود ، والحياة ، والعلم . ثم يعبرون عن الوجود بالأب ، وعن العلم بالكلمة ، وقد يسمونه ابنا ، ويعبرون عن الحياة بروح القدس . ولا يعنون بالكلمة الكلام ، فإن الكلام مخلوق عندهم . ثم هذه الأقانيم هي الجوهر عندهم بلا مزيد ، والجوهر واحد والأقانيم ثلاثة ، وليست الأقانيم عندهم موجودات بأنفسها ، بل هي للجوهر في حكم الأحوال عند مثبتيها من الإسلاميين . والحال مثل التحيز للجوهر ، وهو حال زائدة على وجود الجوهر . ولا تتصف الحال بالعدم ولا بالوجود ، ولكنها صفة وجود ، والأقانيم حالة محل الأحوال عند النصارى . ثم زعموا أن الكلمة اتحدت بالمسيح ، وتدرعت بالناسوت منه ، واختلفت مذاهبهم في تدرع اللاهوت بالناسوت ؛ فزعم بعضهم أن المعنى به حلول الكلمة جسد المسيح ، كما يحل العرض محله ؛ وذهبت الروم إلى أن الكلمة مازجت جسد المسيح ، وخالطته مخالطة الخمر اللبن . فهذه أصول مذاهبهم ، فنقول لهم : لا معنى لحصركم الأقانيم فيما ذكرتموه ، وبم تنكرون على من يرغم أن الأقانيم أربعة ، منها القدرة ، فليس إخراج القدرة من الأقانيم أولى من إخراج العلم . وكذلك إن ساغ المصير إلى أن الوجود أقنوم ، فلا يمتنع عدّ البقاء أقنوما ، ويلزمون السمع والبصر على نحو ما تقدم . ونقول لهم : إذا زعمتم أن الكلمة تتدرع بالمسيح ، وفسرتموه بالحلول ، قيل لكم : العلم المسمى كلمة ، هل يفارق الجوهر أم لا ، فإن زعموا أنه يفارقه ، لزمهم فيه أن يقولوا : لم يكن للجوهر أقنوم العلم لما كان العلم متدرعا بالمسيح ، وهذا مما يأبونه . فإن زعموا أن أقنوم العلم لم يفارق الجوهر ، استحال مع ذلك حلوله في جسد المسيح عيسى عليه السلام مع اختصاصه بالجوهر الأول ، فإنه يمتنع حلول عرض في جسم مع بقاء ذلك العرض في جسم آخر ؛ فإذا امتنع ذلك في العرض ، فلأن يمتنع ذلك في الخاصية التي تتنزل منزلة صفات النفس أولى . ولو جاز أن تتحد الكلمة بالمسيح ، لجاز أن يتحد الجوهر بالناسوت ، ولا فصل في ذلك ، وقد منعوا اتحاد الجوهر بالناسوت . ويقال لهم : إذا اتحدت الكلمة بالمسيح ، فهلا اتحد به روح القدس ، وهو أقنوم الحياة ، فإن من حكم العلم أن لا يفارق الحياة ؟ وكل ذلك يوضح خبط النصارى . والرد على الروم في الاختلاط بمثابة الرد على أصحاب الحلول ؛ ويخصصون بأن الاختلاط إنما يتصف به الأجرام والأجسام ، فكيف وجهه في الأقنوم الذي هو خاصية ! ومما يصعب موقعه عليهم أن نقول : بم تنكرون على من يزعم أن الكلمة اتحدت بموسى