عبد الملك الجويني
13
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
القائم بالجوهر ، كالألوان والطعوم والروائح ، والحياة والموت ، والعلوم والإرادات والقدر ، القائمة بالجواهر . ومما يطلقونه الأكوان ؛ وهي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ، ويجمعها ما يخصص الجوهر بمكان أو تقدير مكان . والجسم في اصطلاح الموحدين المتألف ؛ فإذا تألف جوهران كانا جسما ، إذ كل واحد مؤتلف مع الثاني . ثم حدث الجواهر يبنى على أصول ؛ منها إثبات الأعراض ؛ ومنها إثبات حدثها ، ومنها إثبات استحالة تعري الجواهر عن الأعراض ، ومنها إثبات استحالة حوادث لا أول لها . فإذا ثبتت هذه الأصول ، ترتب عليها أن الجواهر لا تسبق الحوادث ، وما لا يسبق الحادث حادث . فأما الأصل الأول ، فقد أنكرته طوائف من الملحدة ، وهو إثبات الأعراض ، وزعموا أن لا موجود إلا الجواهر . والدليل على إثبات الأعراض أنا إذا رأينا جوهرا ساكنا ، ثم رأيناه متحركا مختصا بالجهة التي انتقل إليها ، مفارقا للتي انتقل عنها ، فعلى اضطرار نعلم أن اختصاصه بجهته من الممكنات وليس من الواجبات ، إذ لا يستحيل تقدير بقاء الجوهر في الجهة الأولى . والحكم الجائز ثبوته والجائز انتفاؤه ، إذا تخصص بالثبوت بدلا عن الانتفاء المجوّز ، افتقر إلى مقتض يقتضي له الاختصاص بالثبوت ، وذلك معلوم أيضا على البديهة . فإذا تقرر ذلك لم يخل المقتضي من أن يكون نفس الجوهر ، إذ لو كان كذلك لاختص بالجهة التي فرضنا الكلام فيها ما دامت نفسه ، ولاستحال عليه الزوال عنها والانتقال إلى غيرها ، فثبت أن المقتضي زائد على الجوهر . ثم الزائد عليه يستحيل أن يكون عدما ، إذ لا فرق بين نفي المقتضي وبين تقدير مقتض منفي . فإذا صح كون المقتضي ثابتا زائدا على الجوهر ، لم يخل من أن يكون مثلا له أو خلافا . ويبطل أن يكون مثلا له فإن مثل الجوهر جوهر ، ولو اقتضى جوهر اختصاصا لجوهر غيره بجهة لاستحال اختصاصه بتلك الجهة ، مع تقدير انتفاء الجوهر الذي قدر مقتضيا ، وليس الأمر كذلك . ثم ليس أحد الجوهرين بأن يكون مقتضيا اختصاصا أولى من الثاني . فإذا ثبت المقتضي الزائد على الجوهر ، وتقرر أنه خلافه ، لم يخل من أن يكون فاعلا مختارا ، أو معنى موجبا ، فإن كان معنى موجبا ، تعين قيامه بالجوهر المختص بجهته ، إذ لو لم يكن له به اختصاص لما كان بإيجابه الحكم له أولى من إيجابه لغيره . والذي وصفناه هو الغرض الذي ابتغيناه . وإن قدّر مقدّر المخصص فاعلا ، والكلام في جوهر مستمر الوجود ، كان ذلك محالا ؛ إذ الباقي لا يفعل ، ولا بد للفاعل من فعل . فخرج من مضمون ذلك ثبوت الأعراض ؛ وهو من أهم الأغراض في إثبات حدث العالم . والأصل الثاني ، إثبات حدث الأعراض ، والغرض من ذلك يترتب على أصول . منها إيضاح