المقداد السيوري
108
إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين
واحتج من أنكر افادته العلم بأن المطلوب ان كان معلوما استحال طلبه ، لاستحالة تحصيل الحاصل ، وان كان مجهولا فكذلك ، لان ما لا يعلم لا يطلب . والجواب : انه معلوم من وجه دون وجه ، وليس المطلوب هو الوجهان حتى يرد الاشكال ، بل الماهية المتصفة بالوجهين . أقول : قد عرفت أن صحة النظر انما تكون بصحة المقدمات والترتيب ، فاعلم الآن أن الناس اختلفوا في أن النظر الصحيح هل يفيد العلم أم لا ؟ فذهب السمنية - وهم حكماء الهند - إلى أن النظر لا يفيد العلم أصلا ، وان المفيد ليس الا الحس . وذهب قوم من المهندسين إلى أنه غير مفيد في اللاهيات ، وزعموا أن الغاية فيها القول بالأولى والأحسن ، لا على الجزم فإنه غير ممكن فيها ، وقصروا إفادة العلم في الرياضيات ، كالحساب والهندسة لا غير . وأطبق المحققون من الحكماء وغيرهم على بطلان قول الفريقين معا ، فانا إذا علمنا أن العالم حادث ، وأن كل حادث مفتقر إلى المؤثر ، فانا نعلم قطعا أن العالم مفتقر إلى المؤثر ، لان كبرى هذا القياس دلت على أن الافتقار ثابت لكل حادث ، وصغراه دلت على أن الحادث ثابت للعالم ، فيكون الافتقار ثابتا للعالم ، لان الثابت للثابت للشيء ثابت لذلك الشيء قطعا ، وهذه مسألة الإلهية . وقد بان كون النظر فيها مفيدا للعلم ، فيبطل بها قول الفريقين معا . احتجت السمنية على مذهبهم بأن النظر لو أفاد العلم للزم اما تحصيل الحاصل أو استعلام المجهول المطلق ، وهما محالان . بيان الملازمة : أن المطلوب بالنظر اما أن يكون معلوما أو مجهولا ، فإن كان معلوما [ كان تحصيل الحاصل ] والفرض أن الحاصل من النظر هو ذلك المعلوم ، فيكون تحصيلا للحاصل ، وان كان مجهولا كان طلبا للمجهول المطلق وهو محال ، لأنه لا يعلم هو